-
المثنى بن الحارثة وشهربراز قائد الفرس
فأمّا المثنى بن حارثة، فكان من حديثه بعد خالد بن الوليد: أنّ الفرس اجتمعوا على شهربراز بن أردشير بن شهريار بن أبرويز، ووجدوه بميسان، فوجّه إلى المثنّى جندا عظيما عليهم هرمز المعروف بجاذويه في عشرة آلاف، ومعه فيل، فكتبت المسالح بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة، وضمّ إليه المسالح.
وكتب شهربراز إلى المثنّى:
« إنّي قد بعثت إليك جندا من وحش أهل القرى، إنّما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقابلك إلّا بهم. » فأجابه المثنّى: « من المثنّى إلى شهربراز، إنّما أنت أحد الرجلين: إما باغ، فذلك شرّ لك وخير لنا، وإمّا كاذب، فأعظم الكاذبين فضيحة وعقوبة عند الله والناس الملوك، وأمّا الذي يدلّنا عليه الرأي، فانّكم إنّما اضطررتم إليه، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. » فلمّا وقف الفرس على كتابه جزعوا وقالوا: « إنّما أتى شهربراز من لؤم منشأته. » وقالوا له: « جرّأت علينا عدوّنا بما كتبت إليه، فإذا كاتبت أحدا فاستشر. » ثم التقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا قتالا شديدا.
ثم إنّ المثنى وناسا من المسلمين اعتوروا الفيل، وكان يفرّق بين الصفوف والكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه، وهزموا أهل فارس واتّبعهم المسلمون يقتلونهم حتى جازوا بهم مسالحهم، وطلبوا الفلّ حتى بلغوا المدائن. ومات شهربراز منهزم هرمز جاذويه، واختلف أهل فارس بعده، وأبطأ خبر أبي بكر على المسلمين لمرضه.
فخرج المثنى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته من أهل الردّة - وكان أمر أبو بكر ألّا يستعان بهم - وليخبره أنّه لم يخلّف أحدا أنشط لقتال فارس ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة واستخلف على عسكره بشير بن الخصاصيّة فوجد أبا بكر - رضي الله عنه - مريضا مرضه الذي مات فيه، فأخبره الخبر.
فدعا أبو بكر عمر - وكان قد عقد له - فقال:
« يا عمر، اسمع ما أقول لك، ثم اعمل عليه. إني أظنّ أن أموت من يومي هذا - وذلك يوم الاثنين - فإن أنا متّ، فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنّكم مصيبة - وإن عظمت - عن أمر دينكم، ووصية ربّكم، وقد رأيتنى متوفّى رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله. وبالله لو أنّى أنى عن أمر الله لخذلنا ولاضطرمت المدينة نارا. وإن فتح الله على أمرائنا فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنّهم أهله وولاة حدّه، وأهل الضراوة بهم، والجرأة عليهم. » ومات أبو بكر رضي الله عنه مع الليل، وندب عمر الناس مع المثنى. وقال عمر:
« كأنّ أبا بكر علم أنّه يسوءنى أن أؤمّر خالدا على العراق حين أمرنى بصرف أصحابه، وترك ذكره. » وتشاغل أهل فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السواد فيما بين خلافة أبي بكر إلى قيام عمر، ورجوع المثنى مع أبي عبيد إلى العراق، وكان جمهور جند العراق بالحيرة بالسيب والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دجلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم.
أسماء كتاب أبي بكر رضي الله عنه
كتب لأبي بكر رضي الله عنه: عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وحنظلة بن الربيع
.
مما حدث في خلافة عمر
عمر يقاسم خالدا ماله
فلمّا استخلف عمر كان أوّل ما تكلّم به عزل خالد بن الوليد. وكتب إلى أبي عبيدة بتأميره عليه، وقال له: « أدع خالدا، فإن أكذب نفسه في حديث تكلّم به خالد فهو أمير على ما هو عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير. ثم انزع عمامته عن رأسه، وقاسمه ماله نصفين. » فلما ذكر ذلك أبو عبيدة لخالد قال: « أنظرني أستشر في أمري. » ففعل أبو عبيدة. فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد، وكانت عند الحارث بن هشام، فذكر لها الحديث، فقالت: « والله لا يحبّك عمر أبدا، وما يريد إلّا أن تكذب نفسك ثم ينزعك. » فقبّل رأسها وقال: « صدقت. » وتمّ على أمره وأبي أن يكذب نفسه.
فقام بلال مولى أبي بكر، فقال: « ما أمرت به في خالد؟ » قال: « أمرت أن أنزع عمامته وأقاسمه ماله. » ففعل، وقاسمه ماله حتى بقيت نعلاه. فقال أبو عبيدة: « إنّ هذا لا يصلح إلّا بهذا. » فقال خالد: « أجل، وما أنا بالذي أعصى أمير المؤمنين، فاصنع ما بدا لك. » فأخذ نعلا وأحذاه نعلا.
ثم قدم خالد المدينة على عمر. فكان كلّما مرّ بخالد، قال: « يا خالد أخرج مال المسلمين من تحت استك. » فيقول: « والله ما عندي مال لهم. » فلمّا أكثر عليه عمر قال له خالد: « يا أمير المؤمنين، قيمة ما أصبت في سلطانكم أربعون ألف درهم. » قال عمر: « قد أخذت ذلك منك. » قال: « هو لك ». قال: « وأخذته. » ولم يكن لخالد مال إلّا عدّة ورقيق. فحسب ذلك، فبلغت ثمانين ألف درهم، فناصفه عمر على ذلك وأعطاه أربعين ألف درهم وأخذ ماله. فقيل: « يا أمير المؤمنين، لو رددت على خالد ماله. » فقال: « إنّما أنا تاجر للمسلمين، والله لا أردّه عليه أبدا. » فكان عمر يرى أنّه قد اشتفى من خالد حين صنع به ذلك.
-
من حديث خالد وفتح دمشق
وكان خالد قبل أن ينقضي حرب الروم، على مقدمة خيل أبي عبيدة، وهو الذي فتح دمشق بيت المملكة. وكان من حديثه أن عمر كاتب المسلمين عند ما هزموا الروم باليرموك: أن يقصدوا لدمشق، فانّها مقرّ عزّ الروم، وأن يشغلوا أهل فحل وفلسطين، وأهل حمص بخيل تكون بإزائهم. فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك، وإن تأخّر فتحها حتى تفتح دمشق، فلينصرف أبو عبيدة وخالد الى حمص، وعمرو إلى فلسطين. وكان أبو عبيدة بعث ذا الكلاع ليكون بين دمشق وحمص ردءا. ففعل أبو عبيدة كما أمره، وقدّم خالدا - وهرقل يومئذ بحمص - فحاصر أهل دمشق حصارا شديدا نحوا من سبعين ليلة، وقاتلوهم بالمجانيق وهم معتصمون بالمدينة، يرجون الغياث من هرقل. وجاءت خيول هرقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجتها خيول ذي الكلاع وشغلتها عن الناس.
فلمّا أيقن أهل دمشق أنّ الأمداد لا تصل إليهم فشلوا، وطمع فيهم المسلمون، وكانوا يرون أنّها كالغارات قبل ذلك إذا هجم البرد قفل الناس، فسقط النّحم والقوم مقيمون. فعند ذلك انقطع رجاؤهم وندموا على دخول دمشق.
اتفاق جيد للمسلمين
وكان من الاتّفاق الجيّد للمسلمين: أن ولد للبطريق الذي على أهل دمشق مولود. فصنع طعاما، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلّا ما كان من خالد، فإنّه كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفى عليه شيء من أمورهم، عيونه ذاكية، وجواسيسه مفرّقة، وهو معنيّ بما يليه. وكان كل جانب من المدينة إلى قوم. وكان قد اتّخذ خالد حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا.
فلمّا أمسى ذلك اليوم وعرف خبر القوم نهد هو ومن معه من جنده الذين قدم بهم، وتقدّمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عديّ وأمثاله من أصحابه في أوّل نومه وقالوا:
« إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا للباب. » فلما انتهى إلى الباب الذي يليه هو وأصحابه المتقدمون، رموا بالحبال الشّرف وعلى ظهورهم القرب التي قطعوا بها خندقهم. فلما ثبت لهم وهقان تسلّق فيهما القعقاع ومذعور. ثم لم يدعا أحبولة إلّا أثبتاها والأوهاق بالشّرف، وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان بدمشق، أكثره ماء وأشدّه مدخلا. ولم يبق ممن خرج مع خالد تلك الليلة أحد إلّا رقى أو دنا من الباب، حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه وانحدر معهم، وخلّف من يحمى ذلك المكان لمن يرتقى، وأمرهم بالتكبير. فكبّر الذين على السور، فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير فوثبوا فيها. وانتهى خالد إلى أوّل من يليه، فأنامهم، وانحدر إلى الباب، فقتل البوّابين، وثار أهل المدينة، وفزع سائر الناس، فأخذوا مواقفهم ولا يدرون ما الشأن، وتشاغل كل ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل، حتى ما بقي مما يلي باب خالد مقاتل إلّا أنيم.
ولما شدّ خالد على من يليه، وبلغ منهم ما أراد عنوة، وأرز من أفلت إلى أهل الأبواب التي تلى غيره، دعوا المسلمين إلى الصلح. فأجابوهم وقبلوا منهم ولا يدرون بما كان من خالد. ففتحوا لهم الأبواب وقالوا: « ادخلوا، وامنعونا من أهل ذلك الباب. » فدخل أهل كلّ باب، بصلح من يليهم، ودخل خالد بما يليه عنوة. فالتقى خالد والقوّاد في وسطها، هذا استعراضا وانتهابا، وهذا صلحا وتسكينا. فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح.
ولما فرغ المسلمون من فتح دمشق، ساروا إلى فحل وبيسان، ولاقوا حربا شديدا، وافتتحوها بعد شدائد وبأس كثير.
عمر وانتداب أبي عبيد للخروج إلى فارس
فأمّا خبر فارس، فإن عمر ندب الناس مع المثنى بن حارثة، وقد ذكرنا فيما تقدّم قدوم المثنى على أبي بكر ووصاة أبي بكر عمر به. فلم ينتدب أحد مع المثنى. وذاك أنّ هذا الوجه أعنى فارس كانت أكره الوجوه إلى الناس، لشدّة بأس الفرس وعظم شوكتهم، وقهرهم الأمم.
فكان المثنى يحرّض الناس ويقول: « أيها الناس، إنّا قد غلبناهم على نصف السواد، وقد ضرى من قبلنا، واجترأنا عليهم، ولنا من بعد ما ينتظره المسلم من الكافر. » وقام عمر في الناس، وخطبهم، وحضّهم وأذكرهم وعد الله في كتابه أن يورثهم الأرض، وقوله عز وجل: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. أين « عباد الله الصالحون؟ »
فكان أوّل من انتدب أبو عبيد ابن مسعود الثقفي، وقال: « أنا لها. » ثم سليط بن قيس.
فلما اجتمع ذلك البعث قيل لعمر: « أمّر عليهم رجلا من المهاجرين والأنصار. » قال: « لا والله لا أفعل. إنّما رفعكم الله بسبقكم إلى الجهاد، وسرعتكم إلى العدو. فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء، واثّاقلتم إلى الأرض، فأولى بالرئاسة منكم من سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء. لا والله، لا أؤمّر عليهم إلّا أوّلهم انتدابا. » ثم دعا أبا عبيد وقال له: « اسمع من أصحاب رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png، وأشركهم في الأمر. ولا تسرعنّ حتى يتبيّن. فإنّها الحرب، والحرب لا يصلح لها إلّا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة. » وقال لأبي عبيد: « إنّه لم يمنعني أن أؤمّر سليطا إلّا سرعته إلى الحرب، وفي التسرّع إلى الحرب ضياع إلّا عن بيان. »
قدوم أبي عبيد مع المثنى بعد استخراج الفرس يزدجرد وتتويج بوران رستم
فقدم أبو عبيد ومعه المثنى بن حارثة، وقد استخرج الفرس يزدجرد. وكانت بوران عدلا في ما بينهم، لما افتتنت الفرس وقتل الفرّخزاذ بن البندوان. وكان سياوخش قدم، فقتل آزرمىدخت. وذلك في غيبة المثنى. وكان شغل الفرس طول غيبته في ما بينهم. وكانت بوران دعت رستم، وشكت إليه تضعضع فارس، ودعته إلى القيام بأمرهم، وتوّجته.
فقال رستم: « أنا عبد سامع مطيع. » فولّته أمر فارس وحربها، وأمرت فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فقتل رستم سياوخش، ودانت له الفرس، وذلك بعد قدوم أبي عبيد.
ثم إنّ عمر لما فصل المثنى وأبا عبيد، استعجلهما، وقال لهما: « النجا، النجا، بمن معكم، فإني ممدّكم بالناس. » ثم ندب أهل الردّة، وأذن لهم في الغزو، ورمى بهم العراق والشام.
فقدم المثنى قبل أبي عبيد بنصف شهر، ونزل خفّان لئلّا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه. وكتب رستم إلى دهاقين السواد: أن يثوروا بالمسلمين. ودسّ في كل رستاق رجلا ليثور بأهله. وبلغ ذلك المثنى، وعجل جابان، وكان اجتمع إليه بشر كثير، بالنمارق، ولحق أبو عبيد، فأجمّ الناس، ثم تعبّى: فجعل المثنى على الخيل، وعبّى الميمنة والميسرة. فنزلوا على جابان بالنمارق، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انهزم جابان، فأسر. فكان آمنه من أسره، فخلّى عند أبو عبيد. فأخبروه أنه ملك. فأشاروا بقتله. فأبى أبو عبيد، وقال: « إنّ المسلمين في التوادّ والتناصر كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلّهم. » قالوا: « إنّه ملك. » قال: « وإن كان، لا أغدر. » فتركه، وقسم الغنائم، وكان فيها مال وعطر كثير، وبعث بالأخماس إلى عمر.
السقاطية بكسكر
وثار نرسى بكسكر، وكان رستم أمره بذلك. ونرسى هذا ابن خالة كسرى، وكانت كسكر قطيعة له، وكان النّرسيان له يحميه لا يأكله ولا يشربه ولا يغرسه غير آل كسرى إلّا من أكرموه بشيء منه.
فلما انهزمت الفرس يوم النمارق اجتمعت الفالّة إلى نرسى، وهو في عسكره، ونادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجرّدة: « اتّبعوا الفالّة حتى تدخلوهم عسكر نرسى أو تبيدوهم. » ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر - ونرسى يومئذ بأسفل كسكر، والمثنى معه في تعبئته التي قاتل فيها جابان، ونرسى على مجنّبتيه ابنا خاله وهما: ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه ابنا بسطام، وأهل باروسما ونهر جوبر والزوابي معه إلى جنده.
وكان قد أتى الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان. فبعثوا الجالنوس، وبلغ ذلك نرسى ومن معه، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعاجلهم أبو عبيد، فالتقوا أسفل من كسكر في مكان يدعى السّقاطية، فاقتتلوا في صحارى ملس قتالا شديدا.
ثم انهزم نرسى، وقتل أصحابه، وغلب على عسكره وأرضه، وجمع أبو عبيد الغنائم. وهناك رأى المسلمون من الأطعمة ما لم يروا مثله، وأخذت خزائن نرسى. فلم يكونوا بشيء أفرح منهم بالنّرسيان. لأنّه كان حمى، فاقتسموه، وجعلوا يطعمونه الفلاحين، وبعثوا بخمسه إلى عمر، وكتبوا إليه: « إنّ الله أطعمنا مطاعم كان الأكاسرة يحمونها، وأحببنا أن تروها، وتشكروا إنعام الله وإفضاله. » وأقام أبو عبيد، وسرّح المثنى إلى باروسما، وعاصما إلى نهر جوبر. فأخربوا، وسبوا، وهرب ذلك الجند إلى الجالنوس. وسار أبو عبيد واستقبله الجالنوس، فنهد إليه أبو عبيد في المسلمين على تعبئته. فهزمهم المسلمون، وهرب الجالنوس، وأقام أبو عبيد قد غلب على تلاك البلاد.
ولما رجع الجالنوس إلى رستم ومن أفلت معه قال رستم: « أيّ العجم أشدّ على العرب؟ » قال: « بهمن جاذويه. » وهو ذو الحاجب. فوجّهه ومعه فيلة، وردّ معه الجالنوس، وقال له: « قدّم الجالنوس، فإن عاد لمثلها فاضرب عنقه. » فأقبل بهمن جاذويه ومعه « درفش كابيان ». وكانت من جلود النمر، عرض ثماني أذرع، وطول اثنى عشر ذراعا. وأقبل أبو عبيد، ونزل المروحة موضع البرج والعاقول.
فبعث إليه بهمن جاذويه: « إمّا أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإمّا أن تدعونا نعبر إليكم. » فقال الناس: « لا تعبر يا با عبيد! ينهاك عن العبور، قل لهم: فليعبروا! » وكان من أشدّ الناس عليه في ذلك سليط.
فلجّ أبو عبيد، وقال: « لا يكونون أجرأ على الموت منّا، بل نعبر إليهم. » فعبروا إليهم في منزل ضيّق المطّرد. فاقتتلوا يوما، حتى إذا كان آخر النهار، واستبطأ رجل من ثقيف الفتح، ألّف بين الناس، فتصافحوا بالسيوف في أهل فارس، وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم يبق إلّا الهزيمة. فحمل أبو عبيد على الفيل، وضربه، فخبط الفيل أبا عبيد، وقام عليه، وجال المسلمون جولة، ثم تمّوا عليها وركبهم أهل فارس.
-
خطأ في الرأي
فكان من خطأ الرأي والعجلة فيه أن بادر رجل من ثقيف الجسر فقطعه.
فانتهى الناس إليه، والسيوف تأخذهم من خلفهم، فتهافتوا في الفرات. فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف بين غريق أو قتيل، وحمى الناس المثنى وعاصم ومذعور، وقد كان سليط - كما قدمنا الخبر عنه - يناشد أبا عبيد مع وجوه الناس، ويقولون: « إنّ العرب لم تلق مذ كانوا، مثل جنود فارس، وقد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعدّة، بما لم يلقنا به [ أحد ] قبل، وقد نزلت منزلا لنا فيه مجال ومرجع من فرّة إلى كرّة. » فقال: لا أفعل، جبنت يا سليط.
فقال سليط: « أنا والله أجرأ منك، نفسا، وقد أشرنا عليك بالرأي، فستعلم. »
رؤيا رأتها امرأة أبي عبيد
وكانت امرأة أبي عبيد رأت رؤيا وهو في المروحة: أنّ رجلا نزل من السماء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عبيد وابنه وجماعة من أهل بيته.
فأخبرت أبا عبيد، فقال: « هذه الشهادة. » وعهد أبو عبيد إلى الناس، فقال: « إن قتلت فعلى الناس فلان، فإن قتل فعليكم فلان. » إلى أن أمّر الذين شربوا من الإناء على الولاء.
ثم قال: « إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنى. » ثم نهد بالناس وعبر، وعضّلت الأرض بأهلها، والتحمت الحرب. فلمّا نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل، والخيل عليها التجافيف، والفرسان عليهم الشّعر، رأت شيئا منكرا لم تر مثله. فجعل المسلمون إذا حملوا لم تقدم خيلهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرّقت بين كراديسهم لا تقوم لها الخيل إلّا على نفار. وخرقهم الفرس بالنشّاب، وعض المسلمين الألم، وترجّل أبو عبيد، وترجّل معه الناس، فصافحوهم بالسيوف، فصارت الفيلة إذا حملت دفعتهم.
فنادى أبو عبيد:
« احتوشوا الفيلة وقطّعوا بطنها، واقلبوا عنها أهلها. » وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلّق ببطانه فقطّعه، ووقع الذين عليه. وفعل القوم مثل ذلك: فما تركوا فيلا إلّا حطّوا رحله وقتلوا أصحابه. وأهوى الفيل لأبي عبيد، فنفح مشفره بالسيف، فاتقاه الفيل بيده ووقع، فخبطه الفيل. وأخذ اللواء، الذي كان أمّره بعده. فقاتل الفيل حتى تنحّى عنه، فاجترّه إلى المسلمين، وأحرزوا شلوه. ثم تجرثم الفيل فاتّقاه بيده، دأب أبي عبيد، وخبطه وقام عليه.
وتتابع سبعة من ثقيف كلّهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت. ثم أخذ اللواء المثنى وهرب عنه الناس.
فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفيّ ما يصنع الناس، بادرهم الجسر، فقطعه. فلما توافاه الناس تهافتوا في الفرات، فغرق من لم يصبر، وقتل من صبر. وهذا الخبر تصديق لدريد حيث قال: « إنّ المنهزم لا يردّه شيء. » ونادى: « أيّها الناس! أنا دونكم، فاعبروا. » وعقد لهم الجسر وقال: « لا تدهشوا اعبروا على هينتكم، فإنّا لن ندع الموضع ولن نزايل حتى نراكم من ذاك الجانب. » وأتى بعبد الله بن مرثد، وكان يمنع الناس من العبور. فضربه المثنى وقال: « ما حملك على ما فعلت؟ » قال: « ليقاتلوا. » فلمّا ضمّت السفن، وعبر الناس كان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس. وعبر المثنى، وحمى جانبه، واضطرب عسكره، وارفضّ عنه أهل المدينة، حتى لحقوا بالمدينة، وتركها بعضهم فنزلوا البوادي، وبقي المثنى في قلّة.
ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم لاعتراض الفرات، وقطع الجسر.
وهلك يومئذ من المسلمين أربعة آلاف من بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقي مع المثنى ثلاثة آلاف، فكأنّ الجميع كانوا تسعة آلاف. وجرح المثنى جراحة شديدة، وأثبت فيه حلق من درعه هتكهنّ الرمح.
ولما بلغ عمر ما صنعه أهل المدينة، وأخبر عمّن سار في البلاد استحياء من الهزيمة اشتدّ عليه، ورحمهم، وقال: « اللهم إنّ كلّ مسلم في حلّ مني، أنا فئة لكل مسلم، يرحم الله أبا عبيد، لو انحاز إليّ لكنت فئة له. » فبينا ذو الحاجب يروم أن يعبر إلى المسلمين أتاه الخبر باضطراب الفرس.
فرجع بعد أن ارفضّ عنه جنده، وأتاه الخبر أنّ الناس في المدائن ثاروا برستم، ونقضوا ما بينهم وبينه، وصاروا فرقتين: الفهلوج على رستم، وأهل فارس على الفيرزان. ثم إنّ جابان ومردانشاه خرجا حتى أخذا بالطريق وهم يرون أنّهم سيرفضّون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فرقة أهل فارس.
وبلغ المثنى فعلة جابان ومردانشاه. فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج في جريدة خيل يريدهما وظنّا أنه هارب، فأخذهما أسيرين، وخرج أهل أليس على أصحابهما، فأتوه بهم أسرى، وعقد المثنى لهم بها ذمّة وقدّمهما وضرب أعناقهما وأعناق الأسرى، ثم رجع إلى عسكره. وكان جرير بن عبد الله البجلي يسأل قديما في بجيلة أن تلتقط من القبائل، وكان النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وعده ذلك، فلمّا ولى عمر دعاه بالبيّنة، فأقامها. فكتب له إلى عمّاله في العرب كلّها ممن كان فيه أحد ينسب إلى بجيلة في الجاهلية، وثبت عليه في الإسلام بغير ذلك فأخرجوه إلى جرير. فلما أعطى جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس وجمعهم، أخرجوا إلى المثنى مددا له. وكتب عمر يستنفر الناس من أهل الردّة وغيرهم، فلم يرد عليه أحد إلّا رمى به المثنى.
يوم البويب ويسمى يوم الأعشار
وبعث المثنى بعد الجسر في من يليه من الممدّين، فتوافوا إليه في جمع عظيم.
وبلغ رستم والفيرزان ذلك، وأتتهم العيون به، وبما ينتظرون من الأمداد، فاجتمعا على أن يبعثا بمهران الهمذاني حتى يريا من رأيهما ويجتمع أمرهما. فخرج مهران في الخيول، وأمره بالحيرة. وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بين القادسية وخفّان في الذين أمدّوه من العرب. فاستبطن فرات بادقلى، وأرسل إلى جرير وعصمة، وإلى كلّ قائد أظلّه أنّه:
« جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجّلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب. » وسلك المثنى وسط السواد، وسلك جرير على الجوف ومن كان معه، حتى انتهوا إلى المثنى وهو على البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، وكان عمر عهد إليهم ألّا يعبروا بحرا ولا جسرا إلّا بعد ظفر. فاجتمعوا بالبويب، واجتمع العسكر على شاطئ البويب الشرقيّ. وكان البويب مغيضا للفرات أيام المدود أزمان فارس يصبّ في الجوف.
وقدم على عمر غزاة بنى كنانة، والأزد، فأمّر على بنى كنانة غالب بن عبد الله، وعلى الأزد عرفجة بن هرثمة، وأمرهم بالعراق. فقدموا على المثنى، وقدم عليه هلال بن علّفة فيما اجتمع إليه من الرياب. فأمره عمر وسرّحه، فقدم على المثنّى، وكذلك فعل بغزاة كلّ قبيلة من جشم وخثعم وبنى حنظلة وبنى ضبّة وغيرهم. فاجتمعوا عند المثنى.
واجتمع رستم والفيرزان معا، واستأذنا بوران - وكذلك كانا يعملان إذا أرادا شيئا استأذنا من حجّابها فكلّماها به - فأخبراها بعدد الجيش وكثرة الذين ينفذون مع مهران، وكانت فارس لا تكثر البعوث.
فقالت بوران: « ما بال فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟ » قالا: « إنّ الهيبة كانت قبل اليوم مع عدوّنا وإنّها اليوم فينا. » فعرفت رأيهم واستصوبته.
ولما نزل مهران في جنده وراء الفرات - والفرات بينهما - قال: « إمّا أن تعبروا إلينا، وإمّا أن نعبر إليكم. » فقال المسلمون: « اعبروا إلينا. » فعبروا، وأقبلوا إلى المسلمين في صفوف ثلاثة مع كلّ صفّ فيل، ورجلهم أمام فيلهم، وجاءوا لهم زجل. فقال المثنى للمسلمين: « إنّ هذا الزجل وجل! » قالوا: « أجل. » قال: « فالزموا الصمت وائتمروا همسا. » فدنوا من المسلمين وجاءوهم من قبل نهر بنى سليم اليوم. فلما دنوا زحفوا، وركب المثنى فرسه الشموس، وكان لا يركبه إلّا إذا قاتل. ودعى الشموس للين عريكته وطهارته. فوقف على الرايات يحضّهم ويذكر أحسن ما فيهم ويقول: « إني أرجو ألّا يؤتى العرب اليوم من قبلكم، والله ما يسرّنى اليوم لنفسي شيء إلّا وهو يسرّنى لعامّتكم. » فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنى بالقول والفعل، وخلط الناس في المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا.
ثم قال: « إني مكبّر ثلاثا، فتهيّأوا، ثم احملوا مع الرابعة. » فلما كبّروا أوّل تكبيرة أعجلهم فارس، فعاجلوهم وخالطوهم مع أوّل تكبيرة.
وركدت الحرب مليّا. فرأى المثنى خللا في بعض صفوفه، فأرسل إليهم: « الأمير يقرأ السلام ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم. » فقالوا: « نعم. » واعتدلوا.
وكانوا يرونه قبل ذلك وهو يمدّ بلحيته لما يرى منهم! فلمّا أعتبوه رأوه يضحك فرحا.
-
فلمّا طال القتال، نظر المثنى إلى نفر من الثعلبيّين نصارى وفيهم جلّاب خيل قدموا مع أنس بن هليل. فقال: « يا أنس، إنّك امرؤ عربيّ وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتنى قد حملت على مهران، فاحمل معي. » وقال لابن [ مردى ] الفهر مثل ذلك. فأجابوه إليه. فحمل المثنى على مهران حتى أزاله، فدخل في ميمنته. ثم خالطوهم واجتمع القلبان، وثار الغبار والمجنّبات تقتتل، لا يفرغون لنصر أمرائهم، ولا يستطيعون ذلك، لا المشركون ولا المسلمون. وقتل غلام تغلبيّ نصراني مهران. ووقف المثنى عند ارتفاع الغبار حتى أسفر وقد فنى قلب المشركين. فأما المجنّبات فهي بحالها، فجعل المثنى يدعو لهم، ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول: « المثنى [ يقول ]: عادتكم في أمثالهم! » حتى هزموهم. فسابقهم المثنّى إلى الجسر، فسبقهم وأخذ الأعاجم يفترقون بشاطئ الفرات مصعدين ومصوّبين، واعتورتهم خيول المسلمين فجعلهم جثاء.
فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رمّة منها، كانوا يحرزونها مائة ألف، وما عفى عليها إلّا ادّفان البيوت.
فيحكى أهل تلك الناحية: أنهم كانوا يأتون البويب، فيرون في ما بين موضع السكون اليوم وبنى سليم عظاما بيضا تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم، يعتبر بها.
وسمّى يوم البويب يوم الأعشار: أحصى مائة رجل قتل كل واحد منهم عشرة يومئذ.
وندم المثنى على أخذه الجسر، وقال: « قد عجزت عجزة وقى الله شرّها بمسابقتى القوم إلى الجسر حتى أحرجتهم وإني غير عائد. فلا تعودوا ولا تعتدوا بي أيها الناس، فإنّها كانت زلّة، ولا ينبغي إحراج أحد إلّا من لا يقوى على امتناع. » وكان المثنى أصاب نزل مهران غنما، وبقرا، ودقيقا، فبعثوا إلى عيالات الناس، وكانوا خلّفوهنّ بالقوادس مع عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة. فلما رفعوا للنساء فرأين الخيل، تصايحن وحسبنها غارة. فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد. فقال عمرو: « هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش أن يكنّ. » وبشّرهنّ بالفلح.
وعقد المثنى الجسر، وسرّح في طلب المنهزمين أصحاب الجسر، فأصابوا غنائم كثيرة وتبعوهم. وكتب القوّاد والرؤساء منهم إلى المثنى: « إنّ الله سلّم ووجّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء، أفتأذن لنا في الإقدام. » فأذن لهم. فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصّن منهم أهل ساباط، واستمكنوا من الغارة على من بينهم وبين دجلة، ومخروها لا يخافون كيدا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم، واعتصموا بساباط.
المثنى يغير على قرية بغداد غارة
ثم إنّ المثنى بلغه خبر قرية يأتيها تجّار مدائن كسرى والسواد، ويجتمعون بها في كل سنة مرّة ومعهم فيها من الأموال كبيت المال، وتلك أيّام سوقهم.
فاستدعى المثنى من وثق به من أهل الحيرة فاستشاره.
فقال له: « إن أنت قدرت أن تغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبت فيها مالا فيه غنى المسلمين دهرهم وقووا على أعدائهم أبدا. » قال: « وكم بينها وبين مدائن كسرى؟ » قال: « بعض يوم أو عامّة يوم. » قال: « فكيف لي بها؟ » قالوا: نشير عليك أن تأخذ طريق البرّ حتى تنتهي إلى الخنافس، فإنّ أهل الأنبار يضربون إليها ويخبرونك فيأمنون، وتأخذ دهاقين الأنبار بالأدلّاء، وتسير سواد ليلتك حتى تأتيهم صبحا، فتصبّحهم غارة. » ففعل المثنى ذلك، فلما انتهى إلى الأنبار، تحصّن منه صاحبها وهو لا يدرى من هو، وذلك ليلا. فلمّا عرفه نزل إليه، فأطعمه المثنى واستكتمه وسأله الأدلّاء إلى بغداد حتى يعبر منها إلى المدائن.
قال: « أنا أجيء معك. » قال: لا أريدك معي، ابعث معي من هو أدلّ منك. » فزوّدهم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلّاء، فساروا.
فلما كانوا بالنصف، قال المثنى: « كم بيني وبين هذه القرية بغداد؟ » قال: « خمسة فراسخ. » فندب من أصحابه جماعة للحرس، وبعث طلائع فحسبوا الناس لئلّا يسبق الخبر وقال: « أيّها الناس، أطعموا وتوضّئوا وتهيّئوا. » ثم سرى آخر الليل فصبّحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فأخذوا ما شاءوا.
وقال المثنى: « لا تأخذوا إلّا الذهب والفضة والحرّ من كل شيء. » ثم انكفأ راجعا حتى نزل بنهر السّيلحين بالأنبار، فسمع همسا في ما بين الناس: « ما أسرع القوم في طلبنا. » فخطبهم وقال: « أيها الناس، احمدوا الله وتناجوا بالبرّ والتقوى، ولا تناجوا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقدّروها، ثم تكلّموا. ما بلغ النذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم إنّ للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل. ولو طلبكم المحامير من رأى العين ما أدركوكم وأنتم على العراب، حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم ورجوت النصر والأجر. فثقوا بالله، وأحسنوا به الظنّ، فقد نصركم الله عليهم في مواطن كثيرة وهم أعدّ منكم، وسأخبركم عني أنّ أبا بكر أوصانا أن نقلّل العرجة ونسرع الكرّة في الغارات ».
ثم أقبل بهم ومعهم الأدلّاء حتى انتهى بهم إلى الأنبار.
ثم إنّ المثنى أغار على حيّ من تغلب على دجلة، وعلى قوم كانوا بتكريت، وأصابوا ما شاءوا من النعم.
القادسية وأيامها
فقال أهل فارس لرستم والفيرزان: « إنّه لم يبرح منكما الاختلاف حتى أوهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوّهم، ولم يبلغ من خطركما أن نقرّكما على هذا الرأي وأن تعرّضا فارس للهلكة. ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلّا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأنّ بكما قبل أن يشمت شامت، ونشفينّ نفوسنا منكما. »
-
تمليك يزدجرد
فاجتمع رستم والفيرزان عند بوران وقالا لها: « اكتبي لنا نساء كسرى وسراريّه. » - ففعلت.
فأرسلوا في طلبهنّ، فلم تبق امرأة إلّا أتوا بها، فأخذوهنّ بالرجال، ووضعوا عليهنّ العذاب يستدلّون على ذكر من أبناء كسرى. فلم يوجد عندهنّ أحد.
فقالت إحداهنّ: « لم يبق إلّا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن أبرويز، وأمّه من أهل بادوريا. »
فأرسلوا إليها، فأخذوها به، وكانت قد أنزلته [ في أيام شيرى ] حين جمعهنّ في القصر الأبيض، وقتل الذكور إلى أخواله وكانت واعدتهم، ثم دلّته إليهم في زبيل. فلما أخذت أمّه به، دلّتهم عليه، فأرسلوا، فجاؤوا به، فملّكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه واطمأنّت فارس، واستوسقوا، وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته. فسمّى الجنود لكلّ مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر. فسمّى جند الحيرة وجند الأنبار والأبلّة والمسالح، وأظهروا الجدّ والنصيحة.
وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون منهم. فلم يصل الكتاب إلى عمر، حتى كفر أهل السواد كلهم: من كان له عهد ومن لم يكن له عهد.
فكتب عمر إليهم: « فاخرجوا من بين ظهراني الأعاجم، وتفرّقوا في المياه التي تليهم على حدود أرضهم، ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفاءهم من أهل النجدات، ولا فارسا، إلّا اجتلبتموه، فإن جاء طائعا، وإلّا حشرتموه. احملوا العرب على الجدّ إذا جدّ العجم. » فنزل المثنى بذي قار، ونزل الناس بالحلّ، وبشراف إلى غضيّ - وغضيّ جبل البصرة - فكان في أمواه العرب من أولها إلى آخرها مسالح ينظر بعضهم إلى بعض ويعين بعضهم بعضا إن كان كون. وذلك في ذي العقدة من سنة ثلاث عشرة للهجرة.
وكتب عمر إلى عمّال العرب على الكور والقبائل أن: « لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة إلّا انتخبتموه، ثم وجّهتموهم إليّ، والعجل العجل. » فمضت الرسل، ووافاه هذا الضرب من القبائل، وأخبروه عمّن وراءهم بالحثّ والجدّ.
وخرج عمر في أول يوم من المحرّم سنة أربع عشرة حتى نزل ما يدعى صرارا، فعسكر به ولا يدرى الناس ما يريد. وكان عثمان أجرأ عليه، فقال له: « ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ » فنادى: « الصلوة جامعة. » فاجتمع إليه الناس، فأخبرهم الخبر، ثم نظر ما يقول الناس.
فقام العامّة: سر وسر بنا معك! » فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يدعه حتى يخرجهم منه في رفق، فقال: « استعدّوا، فانّى سائر، إلّا أن يجيء رأى هو أمثل من ذلك. » ثم جمع أهل الرأي ووجوه أصحاب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فقال: « أحضرونى الرأي. » فأجمع ملأهم أن يقيم، ويبعث رجلا من أصحاب رسول الله، ويرميه بالجنود.
فنادى عمر: « الصلوة جامعة. »
فاجتمع إليه الناس. فأرسل إلى عليّ، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة، وكان على مقدمته، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن بن عوف، وكانا في المجنّبتين.
ثم قام فيهم، فقال:
« إنّ الله جمع على الإسلام أهله، فألّف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا، فالمسلمون فيما بينهم كالجسد، لا يخلو منه شيء مما أصاب غيره، وكذلك يحقّ عليهم أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم. فالناس تبع لمن قام لهذا الأمر ما اجتمعوا عليه، ورضوا به، وما رءاه أولوا الرأي لزم الناس، وكانوا له تبعا، فمن قام بهذا الأمر فهو تبع لأولى الرأي. أيّها الناس! إني كنت كرجل منكم، حتى صرفني ذوو الرأي عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الأمر من قدّمت ومن خلّفت. »
فكان طلحة ممن تابع وعبد الرحمن ممن نهاه وقال: « بأبي أنت وأمي... » قال عبد الرحمن: فما فديت أحدا بأبي وأمي بعد النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png غيره، وقلت: «.. اجعل عجزها بي، وأقم، وابعث جندا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك فإن يهزم جيشك فليس كهزيمتك، وإنّك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت على المسلمين. »
قال عمر: « فأشيروا عليّ برجل! » قال عبد الرحمن: « وجدته. » وكان ورد كتاب سعد بن أبي وقاص وهم في تلك الحال، جوابا عن كتاب عمر: « إني قد انتخبت لك ألف فارس كامل كلّهم له نجدة ورأى وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم، إليه انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم. » ووافق كتابه مشورتهم.
وقال عبد الرحمن: « وجدته لك. » قال: « من؟ » قال: « الأسد عاديا، سعد بن مالك. » فأرسل إليه، فقدم، فأمّره على حرب العراق، وأوصاه، وقال: « يا سعد سعد بنى وهيب! لا يغرّنّك من الله أن قيل: خال رسول الله! ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته. فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء: الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png منذ بعث إلى أن فارقنا - عليه، فالزمه، فإنّه الأمر.
هذه عظتى إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين. » فسار سعد، ومات المثنى من انتقاض جراحته قبل أن يصل إليه سعد. وذاك أنّ جرحه كان ينتقض ويبرأ حتى مات. وقدم سعد، فأغار في ما يليه، ولم يزل كذلك، إلى أن ألحّ يزدجرد على رستم، وقال: « لا بدّ أن تلى حرب العرب بنفسك. » فخرج رستم في العدّة والعديد والخيول والفيول، وراسله سعد بالمغيرة بن شعبة وغيره من دهاة العرب وأصحابه من ذوي الهيئات والآراء، فجرت بينهم مخاطبات، لا تجربة فيها ولا فائدة في المستأنف، فتركنا ذكرها.
إلى أن صافّهم رستم وعبر إليهم. وكان في القلب الذي فيه رستم ثمانية عشر فيلا عليها الصناديق والرجال، وفي المجنّبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين.
-
تدبيره دبره يزدجرد للإسراع في تسلم أنباء الحرب
وكان يزدجرد وضع بينه وبين رستم رجالا: فأوّلهم على باب إيوانه والآخر على دعوة منه، بحيث يسمعه، والآخر كذلك إلى أن انتظم بينه وبين رستم بالرجال. فلما نزل رستم بساباط قال الرجل الذي بساباط: « نزل! » وقال الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يقوله من يلي الإيوان ويسمعه يزدجرد. فكان كلّما ارتحل، أو نزل، أو حدث أمر، جرى الأمر فيه على ما شرحته، وترك البرد.
وكان ذلك شأنه إلى أن انقضى الحرب.
وكان بسعد حبون وخراجات يومئذ لا يستطيع أن يركب. فإنّما هو على وجهه، في صدره وسادة وهو مكبّ عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرّقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة، وكان الصف إلى جانب القصر.
فشغّب قوم من وجوه الناس على سعد، ولم يرضوا بما صنع خالد. فهمّ بهم سعد وشتمهم. ثم خطبهم، واعتذر إليهم، فرضوا، وأمر الرؤساء حتى خطبوا في من يلونهم، ففعلوا، وتحاضّوا وتواصوا.
فأما الفرس فإنّهم تعاهدوا، وتواصوا، واقترنوا بالسلاسل. فكان المقترنون ثلاثين ألفا، وجملتهم مائة وعشرون ألفا، وثلاثون فيلا عليها المقاتلة، وفيلة عليها الملوك وقوف لا تقاتل.
يوم أرماث
وأمر سعد فقرئ سورة الجهاد. وقال سعد: « إني مكبّر، فإذا سمعتم التكبيرة الأولى فشدّوا شسوع نعالكم، فإذا كبّرت الثانية فتهيّأوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا. » فلمّا فرغ القرّاء، كبّر سعد وكبّر الناس، ثم ثنّى فتهيّأ الناس، ثم ثلّث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال.
وخرج أمثالهم من أهل فارس، فاعتوروا الضرب والطعن. وخرج هرمز إلى غالب بن عبد الله - وكان هرمز من ملوك الباب متوّجا - فأسره غالب أسرا، وجاء به إلى سعد، فأدخل، وانصرف إلى المطاردة. فبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة، قام صاحب رجّالة بنى نهد، فقال: « يا بنى نهد، إنّما سمّيتم نهدا لتفعلوا. » فبعث إليه سعد خالد بن عرفطة: « والله لتكفّنّ، أو لأوّلينّ عملك غيرك. » ولما تطاردت الفرسان خرج رجل ينادى: « مرد ومرد ». فانتدب له عمرو بن معدى كرب، فرماه الفارسي بنشّابة، فما أخطأت سئة قوسه - وكان متنكّبها - فحمل عليه عمرو، فاعتنقه، ثم أخذ منطقته فاحتمله فوضعه بين يديه. ثم جاء به حتى إذا دنا منّا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه.
ثم قال: « أنا هكذا، فاصنعوا بهم، إنّما الفارسي إذا فقد قوسه تيس! » فقلنا: « يا با ثور من يستطيع أن يصنع كما تصنع؟ » وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فبارزه، فما لبّثه طليحة أن قتله. وقام الأشعث بن قيس، فقال: « يا معشر كندة! لله درّ بنى أسد، أيّ فرى يفرون، وأيّ هذّ يهذّون! » وكذلك كانوا، لأنّهم حبسوا الفيلة بالضرب والطعن.
«.. يا معشر كندة! أراكم تنتظرون من يكفيكم الناس. العرب منذ اليوم يقاتلون وأنتم جثاة على الرّكب تنتظرون. » فوثب إليه عدّة، وقالوا: « عثر جدّك إنّك لتؤبّخنا ونحن أحسن الناس موقفا، ها نحن معك. » فنهد ونهدوا فأزالوا من بإزائهم. ولما رأى فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد، رموهم بحدّهم كلّه، وبدروا الشدّة على المسلمين عليهم ذو الحاجب والجالنوس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد. فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم الفيلة قد ثبتوا لهم. وكبّر سعد الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول، فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد.
فأرسل سعد إلى عاصم بن عمر، فقال: « يا معشر بنى تميم. ألستم أصحاب الإبل والخيل، أما لكم لهذه الفيلة من حيلة؟ » قالوا: « بلى والله. » ثم نادى في رجال من قومه رماة، وآخرين أهل ثقافة، فقال لهم: « يا معشر الرماة، ذبّوا ركبان الفيلة بالنّبل. » وقال: « يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة، فقطعوا وضنها. » وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد. وأقدم أصحاب عاصم بن عمرو على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وأذناب توابيتها، فقطّعوا وضنها وارتفعت عن ظهورها. فما بقي لهم يومئذ فيل إلّا عرّى وقتل أصحابها، ونفّس عن أسد، فردّوا عنهم فارس إلى مواقفهم، ولم يزالوا يقتتلون حتى غربت الشمس، ثم حتى ذهب هدأة من الليل. ثم رجع هؤلاء ورجع هؤلاء، وأصيب في أسد تلك العشيّة خمسمائة، وكانوا ردءا للناس. وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم. فهذا يومها الأوّل وهو يوم أرماث.
يوم أغواث
ولما أصبح القوم على تعبئة من غد وقفوا. ووكّل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب، وإسلام الرثيث إلى النساء، يقمن عليهم، والناس ينتظرون بالجملة نقل الرثيث. فلمّا استقلّت بهم الإبل، وتوجّهت بهم نحو العذيب، طلعت بوادي الخيل من الشام، الذين صرفهم عمر بعد دمشق إلى العراق. وكان أبو عبيدة، لما قدم عليه كتاب عمر: أن يصرف أهل العراق أصحاب خالد بن الوليد ولم يذكر خالدا، ضنّ بخالد، واحتبسه عنده، وسرّح الجيش - وهم ستّة آلاف - وأمّر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو. فعجّله أمامه، فانجذب القعقاع وطوى وتعجّل، فتقدّم على الناس يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه وهم ألف، أن يتقطّعوا أعشارا: فكلما بلغ عشرة مدى البصر، سرّحوا في آثارهم عشرة. فتقدّم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى الناس، فسلّم عليهم، وبشّرهم بالجنود، وقال: « أيها الناس! إني قد جئتكم في قوم والله لو كانوا بمكانكم ثم أحسّوكم، لحسدوكم بحظوتها، وحالوا أن يظفروا بها دونكم. فاصنعوا كما أصنع. » فنادى: « من يبارز؟ » فسكن الناس، وتذاكروا قول أبي بكر فيه: « لا يهزم جيش فيه مثل هذا. » فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: « من أنت؟ » قال: « أنا بهمن جاذويه. » فنادى: « يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر. » ثم اجتلدا، فقتله القعقاع.
وجعلت خيل القعقاع ترد قطعا إلى الليل وينشط الناس، فكأن لم يكن بالأمس مصيبة، وكأنّها استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبي وللحاق القطع، وانكسرت الفرس لذلك.
ونادى القعقاع أيضا: « من ينازل؟ » فخرج إليه رجلان أحدهما الفيرزان والآخر البندوان. فانضمّ إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، فبادر القعقاع الفيرزان فضربه، فإذا رأسه مطروح، وبادر ابن ظبيان البندوان فضربه، فإذا رأسه كذلك، وتورّدهم فرسان المسلمين، وجعل القعقاع يقول: « يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنّما يحصد الناس بها. » فتواصى الناس واجتلدوا بها حتى المساء. فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئا مما يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، لأنّ توابيتها تكسّرت بالأمس، فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا، فلم ترتفع حتى كان من الغد. وفي هذا اليوم حمل بنو عمّ القعقاع عشرة عشرة من الرجّالة على إبل قد ألبسوها، فهي مجلّلة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم فحموهم، وأمرهم أن يحملوها على خيلهم بين الصفّين يتشبّهون بالفيلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث. فجعلت الإبل لا تصمد لقليل ولا كثير إلّا نفرت خيلهم، وركبتهم سيوف المسلمين. فلمّا رأوا ذلك استنّوا بهم، فلقى أهل فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث.
وجعل رجل من بنى تميم يتعرّض للشهادة، فأبطأت عليه حتى تعرّض لرستم يريده، فأصيب دونه.
وخرج رجل من فارس ينادى: « من يبارز؟ » فبرز له علباء، فأسجده ونفحه الفارسي فأمعاه، فلم يستطع القيام، فعالجها، فلم يتأتّ له حتى مرّ به رجل من المسلمين، فقال: « يا هذا أعنّى على بطني. » فأدخله له، فأخذ بصفاقيه، ثم زحف نحو صفّ فارس ما يلتفت على المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صفّ فارس، وقال:
أرجو بها من ربّنا ثوابا ** قد كنت [ ممّن ] أحسن الضّرابا
وخرج رجل من أهل فارس ينادى: « من يبارز؟ » فبرز له الأعرف بن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز له آخر من فارس فقتله، ثم برز آخر فقتله، فأحاطت به فوارس منهم، فصرعوه، وندر سلاحه عنه، فأخذوه، فجعل يغبّر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه وقال:
[ و ] إن تأخذوا بزّى، فإني مجرّب ** خروج من الغمّاء، محتضر النّصر
وإني لحام من وراء عشيرتي ** ركوب لآثار الهوى محفل الأمر
وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة، كلّما طلعت قطعة من الخيل حمل حملة فيصيب فيها. فقتل في يوم أغواث ثلاثين فارسا، وكان آخرهم بزرجمهر الهمداني، وقال القعقاع فيه:
حبوته جيّاشة بالنّفس ** هدّارة مثل شعاع الشّمس
في يوم أغواث قليل الفرس ** أنخس بالقوم أشدّ النّخس
حتى تفيظ معشرى ونفسي
-
واقتتل الناس صتيتا حتى انتصف الليل. فكانت ليلة أرماث تدعى « الهداة »، وليلة أغواث تدعى « السواد ». ولم يزل المسلمون يرون الظفر يوم أغواث في القادسية، وقتلوا عامّة أعلامهم، وجالت فيهم خيل القلب، وثبت رجلهم، فلو لا أنّ خيلهم كرّت، لأخذ رستم أخذا. وانتمى المسلمون لدن أمسوا. فلمّا أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: « إن تمّ الناس على الانتماء فلا توقظنى، فإنّهم أقوياء على عدوّهم، فإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظنى، فإنّهم على السواء، وإن سمعتهم ينتمون، فأيقظنى، فإنّ انتماءهم لشرّ. »
قصة أبي محجن مع سلمى وسعد
فلمّا اشتدّ القتال بالسواد، سأل أبو محجن سلمى بنت خصفة، وكان محبوسا مقيّدا في القصر. فقال: « يا ابنة خصفة، هل لك إلى خير؟ » قالت: « وما ذاك؟ » قال: « تخلّين عني وتعيرينني البلقاء. فلله عليّ، إن سلّمني الله أرجع إليك حتى أضع رجليّ في قيدي. »! فقالت: « وما أنا وذاك؟ » فجعل يرسف في قيده وقال:
كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا ** وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّانى الحديد وغلّقت ** مصاريع من دوني تصمّ المناديا
قالت سلمى: « إني استخرت الله، ورضيت بعهدك. » فأطلقته وقالت: « أمّا الفرس فلا أعيرها. » فرجعت.
« فاقتادها رويدا، وأخرجها من باب القصر، فركبها. ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة. ثم حمل على الميسرة ميسرة الفرس، يلعب برمحه وسلاحه بين الصفّين - وقد حكي أنّ الفرس كانت عريا، وحكي أنّها كانت بسرجها - ثم رجع من خلف صفّ المسلمين إلى الميسرة، فكبّر، وحمل على ميمنة القوم، يلعب بين الصّفين برمحه وسلاحه. ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب، فبدر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفّين برمحه وسلاحه. فكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، وتعجّب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه بالنهار.
فقال بعض الناس: « هذا من أوائل أصحاب هاشم، أو هاشم نفسه. » وانتبه سعد وهو منكبّ مشرف من فوق القصر، فقال: « والله لولا محبس أبي محجن لقلت إنّه هو وهذه البلقاء. » وقال بعض الناس: « إن كان الخضر يشهد الحروب فهذا الخضر. » وقال بعضهم: « لولا أنّ الملائكة لا تباشر [ القتال ] لقلنا: ملك بيننا! » فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر من حيث خرج منه، ووضع عن نفسه وعن دابّته، وأعاد رجليه في قيده، وقال في أبيات:
لقد علمت ثقيف غير فخر ** بأنّا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات ** وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنّا وفدهم في كلّ يوم ** فإن عميوا فسل بهم عريفا
وليلة قادس لم يشعروا بي ** ولم أشعر بمخرجى الزّحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي ** وإن أترك أذيقهم الحتوفا
وإنّما حبس في أبيات قالها وهي:
إذا متّ، فادفنّي إلى أصل كرمة...............
فلمّا أصبحت سلمى أتت سعدا، وكانت مغاضبة له، وصالحته وأخبرته خبرها مع أبي محجن. فدعا به، وأطلقه، وقال: « اذهب، فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله، حتى تفعله. » قال: « لا جرم والله، لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا. »
يوم عماس
أصبح الناس اليوم الثالث على مواقفهم وبينهم كالرّجلة الحمراء ميل في عرض الصفّين، وقد قتل من المسلمين ألفان، ومن المشركين عشرة آلاف، وكان أهل الدين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر ويبلّغون الرثيث إلى النساء والصبيان، و [ النساء و ] الصبيان يحرفون القبور في اليومين: يوم أغواث ويوم أرماث. وبات القعقاع ليلته كلها يسرّب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم بالأمس. ثم قال لهم: « إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة، كلّما توارت مائة فليتّبعها مائة. فإن جاء هاشم فذاك، وإلّا جدّدتم للناس رجاء وجدّا. » ففعلوا ولا يشعر بذلك أحد.
فأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم: فأمّا قتلى المشركين فقد أضيعوا، لأنّهم لا يعرضون لأمواتهم، وكان ذلك مما صنع الله للمسلمين مكيدة ليشدّ بها أعضادهم.
فلمّا ذرّ قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل طلعت نواصيها. فكبّر، وكبّر الناس وقالوا: « جاء المدد » وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها. فجاؤوا من قبل خفّان. فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى لهم هاشم في سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع وما صنع في يوميه، فعبّى أصحابه سبعين سبعين.
فلما نجز أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة، حتى إذا خالط القلب كبّروا، وقد أخذ المسلمين الفرح، فكبّروا جميعا وقد أصلح المشركون توابيت الفيلة معها الرجّالة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجّالة فرسان يحمونهم، إذا رأوا كتيبة دلفوا إليها بفيل واتباعه لينفروا به الخيل.
فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأنّ الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد، كان أوحش وأهول، وإذا طاف به الناس كان آنس. فكان القتال كذلك. وكان يوم عماس من أوّله إلى آخره شديدا، العجم والعرب فيه سواء، ولا يكون بينهم لفظة إلّا تعاورها الرجال حتى تبلغ يزدجرد، فكان يبعث إليهم بأهل النجدات ممن بقي عنده فيقوون بهم، وتجيئهم الأمداد على البرد. فلو لا الذي صنع القعقاع في اليومين، ومجيء هاشم بعقبه كسر ذلك المسلمين، وما كان عامّة جنن المسلمين إلّا براذع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، ومن لم تكن له وقاية لرأسه، عصّب رأسه بالأنساع. وأبلى يومئذ قيس بن هبيرة بن مكشوح.
وقال عمرو بن معدى كرب: « إني حامل على الفيل بازائهم، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخّرتم فقدتم أبا ثور، وأين لكم مثل أبي ثور، وإن أدركتمونى وجدتمونى وفي يدي السيف. »! فحمل، فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار. فقال أصحابه: « ما تنتظرون؟ ما أنتم بخلقاء أن تدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم. » فحلموا، فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه وإنّ سيفه لفي يده يضاربهم به، وقد طعن فرسه. فلمّا انفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس عليه فارسي، فحرّكه الفارسي، فاضطرب الفرس، فالتفت إلى عمرو، فهمّ به، فغشيه المسلمون. فنزل عنه، وحاضر إلى الفرس، وقال عمرو لأصحابه: « أمكنونى من لجامه. » فأمكنوه منه فركبه.
-
اتفاق جرى يوم عماس ويحذر أن يقع مثله
ومن الاتفاق الذي جرى في يوم عماس ويحذر أن يقع مثله: أنّ رجلا من الفرس خرج بين الصفّين فهدر وشقشق ودعا إلى البراز.
قال: فبرز رجل منّا يقال له: شبر بن علقمة، وكان قصيرا دميما، وقال: « يا معشر المسلمين! قد أنصفكم الرجل. » فلم يجبه ولم يخرج إليه أحد.
فقال: « أما والله، لولا أن يزدرونى لخرجت إليه. » فلمّا رأى أنّ المسلمين لا يمنعونه أخذ سيفه وحجفته، وتقدّم. فلمّا رآه الفارسي نزل إليه، فاحتمله، وجلس على صدره وأخذ سيفه ليذبحه وقد كان شدّ مقود فرسه بمنطقته. فلمّا سلّ السيف حاص الفرس حيصة، فجذبه المقود، فقلبه عنه. فأقبل عليه وهو يسحب، فافترشه. وجعل أصحابه يصيحون به، فقال: « صيحوا ما بدا لكم، فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه. » فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعدا، فقال: « إذا كان حين الظهر فائتني. » فوافاه، فحمد سعد الله، وأثنى عليه، ثم قال: « إني قد رأيت أن أنفّله إيّاه، وكلّ من سلب سلبا فهو له. » فباعه باثنى عشر ألفا.
ما جرى في يوم عماس أيضا
ولما عادت الفيلة لفعلها يوم أرماث تفرّق بين الكتائب، راسل قوما ممن أسلموا من الفرس، فدخلوا عليه، فسألهم عن الفيلة: « هل لها مقاتل؟ » قالوا: « نعم! المشافر والعيون. لا ينتفع بها بعدها. » فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابني مذعور: « اكفياني الأبيض. » وذاك أنّ الفيلة كانت تألفه، وكان بإزائهما، وأرسل إلى حمّال والربّيل: « اكفيانى الأجرب» - وكان بازائهما.
فأما القعقاع وعاصم فانّهما أخذا رمحين أصمّين ليّنين، ثم دبّا في خيل ورجل، وقالا: « اكتنفوه لتحيّروه. »
فنظر الفيل يمنة ويسرة وهما يريدان أن يخبط. فحمل القعقاع وعاصم - والفيل متشاغل بمن حوله - فوضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض، فقبع، ونفض رأسه، فطرح ساسته، ودلّى مشفره، فبادره القعقاع، فنفحه بالسيف، فرمى به، وأقعى الفيل، فقتلوا من كان عليه.
وأما حمّال والربّيل فانّهما قالا: « يا معشر المسلمين، أيّ الموت أشدّ؟ » قالوا: « أن تشدّا على هذا الفيل. » قال: « فنزّقا فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بازائهم. فطعن أحدهما عينه فوطئ الفيل من خلفه، ويضرب الآخر مشفره، فيضربه سائس الفيل ضربة شانئة في وجهه بالطبرزين، فأفلت بها هو والربّيل، فبقى الفيل متلدّدا بين الصفّين كلّما أتى صفّ المسلمين وخزوه، وإذا أتى صفّ المشركين نخسوه، وصاح الفيلان صياحا عظيما. ثم ولّى الأجرب الذي عوّر، فوثب في العتيق فاتّبعته الفيلة فخرقت صفّ الأعاجم، وعبرت العتيق في إثره، فبيّتت المدائن في توابيتها، وهلك من فيها، وخلص المسلمون بأهل فارس، ومال الظلّ، فتزاحفوا، واجتلدوا بالسيوف حتى أمسوا. فلمّا طعنوا في الليل اشتدّ القتال وصبر الفريقان، ولم يسمع إلّا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسمّيت « ليلة الهرير » لم يكن بعدها قتال بليل بالقادسيّة.
ثم إنّ سعدا وجّه طليحة وعمرو بن معدى كرب إلى مخاضة كانت أسفل منهم، وخشي أن يؤتى المسلمون منها بعبور الفرس، ووصّاهما أن يقفا هناك، فإن أحسّا بكيد أنذرا المسلمين. فانتهيا إلى هناك، فلم يجدا أحدا. فأمّا طليحة فرأى أن يعبر، وأمّا عمرو فقال: « ما أمرنا بذلك. » فعبر طليحة حتى إذا صار وراء صفّ المشركين كبّر ثلاث تكبيرات، فدهش القوم، وكفّوا عن الحرب لينظروا ما هو، وطلبوه فلم يدروا أين سلك! وسفل حتى غاص، وأقبل إلى العسكر فأتى سعدا خبره، فاشتدّ ذلك على الفرس، وفرح المسلمون. وقال طليحة للفرس: « لا تعدموا أمرا ضعضعكم. » ثم إنّهم عادوا، وجدّدوا تعبئة، وأخذوا في أمر لم يكونوا عليه في الأيام الثلاثة والمسلمون على تعبيتهم، فطاردهم فرسان العرب، فإذا القوم لا يشدّون، ولا يريدون إلّا الزحف فقدّموا صفا له أذنان، وأتبعوا آخر وآخر حتى تمّ صفوفهم ثلاثة عشر صفّا في القلب والمجنّبتين. فرماهم فرسان العسكر فلم يعطفهم ذلك. ثم لحقت بالفرسان الكتائب، فحمل القعقاع على ناحيته التي رمى بها مزدلفا. فقاموا على ساق والناس على راياتهم، بغير إذن سعد.
فقال سعد: « اللهمّ اغفرها له وانصره، وا تميماه سائر الليلة. » ثم قال: « إنّ الرأي ما رءاه القعقاع. فإذا كبّرت ثلاثا فاحملوا. » فلمّا كبّروا واحدة حملت أسد، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم. وا أسداه سائر الليلة. » ثم حمل الناس وعصوا سعدا. فقام قيس بن المكشوح في من يليه - ولم يشهد شيئا من لياليها إلّا تلك الليلة، لأنّه كان آخر من ورد مع هاشم - فقال: « إنّ عدوّكم قد أبي إلّا المزاحفة، والرأي رأى أميركم، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجل. » قال القوم: « إذا زحفوا وطاردهم عدوّهم على الخيل لا رجال معهم عفّروا بهم، ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم. تيسّروا للحملة، وانتظروا التكبير. » - وإنّ نشّاب الأعاجم لتجوز صفّ المسلمين. » فتكلّم الرؤساء. فقال دريد بن كعب النخعي - وكان معه لواء النخع -: « إنّ المسلمين قد تهيّئوا للمزاحفة، فاستبقوا المؤمنين الليلة إلى الله والجهاد، نافسوهم الشهادة، وطيبوا نفسا بالموت، فإنّه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلّا فالآخرة ما أردتم. » وتكلّم الأشعث بن قيس، فقال: « لا ينبغي أن يكون هؤلاء أجرأ على الموت منّا، ولا أسخى نفسا عن الدنيا، لا تجزعوا من القتل، فإنّه أمانيّ الكرام، ومنايا الشهداء. » وترجّل وتكلّم طليحة فقال مثل ذلك، وتكلّم غالب وحمّال وأهل النجدات، فقالوا قريبا من ذلك، وفعلوا فعلهم. وقامت حربهم على ساق، حتى الصباح.
فتلك ليلة الهرير.
وحكى أنس بن الحليس، قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغا، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قطّ، وانقطعت الأصوات عن رستم وسعد. فبعث سعد نجّارا - وهو غلام - إلى الصفّ لم يجد رسولا، فقال: « أنظر ما ترى من حالهم. » فرجع، فقال: « ما رأيت يا بنيّ؟ » قال: « رأيت قوما يلعبون ويجدّون. » فأوّل شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح في نصف الليل الأخير، صوت القعقاع بن عمرو، وهو يقول:
نحن قتلنا معشرا وزائدا ** أربعة وخمسة وواحدا
تحسب فوق اللّبد الأساودا ** حتى إذا ماتوا دعوت شاهدا
الله ربّى واحتردت جاهدا
وأصبحوا ليلة القادسية - وهي ليلة الهرير. سمّيت بليلة القادسية من بين تلك الليالي والأيّام - والناس حسرى لم يغمّضوا ليلتهم كلّها. فسار القعقاع في الناس، فقال: « إنّ الدبرة بعد ساعة لمن بدأ اليوم، فاصبروا فإنّ النصر مع الصبر. » فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، فصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه.
ولمّا رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث المكشوح، والأشعث بن قيس، وعمرو بن معدى كرب، وأشباههم، فحضّوا الناس وحرّضوا.
فكان أوّل من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والبندوان، فتأخّرا وثبتا حيث انتهيا. وانفرج القلب، وركد عليهم النقع، وهبّت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق وهي دبور، ومال الغبار عليهم. وانتهى القعقاع وأصحابه إلى السرير، فعبروا به، وقد قام رستم حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة. فاستظلّ في ظلّ بغل وحمله. فقصده هلال بن علّفة، وولّى عنه رستم، فاتبعه هلال، فرماه رستم، فشكّ قدمه في الركاب، وقال بالفارسية: « بباى. » - يقول: « كما أنت ارفق. » فحمل عليه هلال، فضربه ضربة نفحت مسكا. ومضى رستم نحو العتيق، فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه، فتناوله وقدم عام وهلال قائم. فأخذ رجله، ثم خرج به، وضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين يدي رحله وأرجل البغال، وأخذ سلبه، ثم صعد السرير، ونادى: « قتلت رستم وربّ الكعبة، إليّ إليّ! » فأطافوا به، وكبّروا وما يحسون السرير، ولا يرونه، وانهزم المشركون. وقام الجالنوس على الردم ونادى أهل فارس إلى العبور، وأسفر الغبار. فأما المقترنون فإنّهم جشعوا. فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم، فما أفلت منهم مخبر وهم ثلاثون ألفا.
-
درفش الكابيان وغيره من الأسلاب
وأخذ ضرار بن الخطّاب درفش الكابيان، فعوّض منها ثلاثين ألفا، وكانت قيمتها ألفي ألف ومائتي ألف. وجمعت الأسلاب والأموال، فجمع منها شيء لم يجمع قبله ولا بعده.
وأرسل سعد إلى هلال، فدعى، فقال: « أين صاحبك؟ » قال: « رميت به تحت أبغل كانت هنالك. » قال: « اذهب، وجئ به. » فأمضى له سلبه. وبعث زهرة بن الحويّة يتبع الجالنوس ومن لحق به، وأمر القعقاع بمن سفل، وشرحبيل بمن علا. وأمر بدفن الشهداء. فخرج زهرة بن الحويّة في آثارهم. فلمّا انتهى إلى الردم وجده مبثوقا، ليمنعوهم من الطلب. فقال زهرة: « يا بكير - وكان معه - أقدم فرسك! » وكان بكير يقاتل على الإناث، وقال: « ثبى أطلال! » فتجمّعت ووثبت. وأوثب زهرة فرسه - وكان على حصان - فاتبعه وتتابع على ذلك ثلاثمائة فارس. ونادى زهرة حين كاعت الخيل: « خذوا أيها الناس على القنطرة فعارضونا! » ففعل الناس ذلك ومضى زهرة، فلحق الفرس، وقد نزلوا الخرّارة وطمعوا، وهم يتعجّبون من رميهم وأنّه لم يعمل في العرب. وكان الجالنوس قد رفع له كرة، فهو يرميها ويشكّها بالنشّاب. فشدّ زهرة على الجالنوس، فقتله، وانهزمت الفرس.
وقد قيل: إنّ الجالنوس كان راكبا يحمى الفرس حين لحقهم زهرة، فشاوله، واختلفا ضربتين سبقه زهرة، فقتله.
وأمّا القعقاع وشرحبيل فإنّهما خرجا في طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم في كلّ قرية وأجمة وشاطئ نهر، وراجعوا. فتوافوا عند صلاة الظهر، وهنّأ الناس بعضهم بعضا، وأثنى سعد على كلّ حيّ، وذكر خيرا.
وتدرّع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعة وسبعين ألفا. فلمّا رجع إلى سعد نزع سلبه وقال: « ألا انتظرت إذنى؟ » فكتب عمر إلى سعد: « تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وقد بقي من حربك ما بقي، تكسر قوّته، وتفسد قلبه! أمض له سلبه، وفضّله عند العطاء بخمسمائة. » وقد حكى أنّ عامة من شهد القادسية فضّلوا عند العطاء بخمسمائة. وأمّا أهل الأيّام، فإنّهم فضّلوا على أهل القادسية، فإنّهم فرض لهم على ثلاثة آلاف.
فقيل لعمر: « لو ألحقت بهم أهل القادسية، أو فضّلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه. » فقال: « كيف أفضّلهم وهم شجى العدوّ، فهلّا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوهم بفنائهم مثل هذا. » فحكى عن رجل من عبس قال: أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما لم يصب الناس قبلهم. لقد كان الرجل من المسلمين يدعو الفارس منهم وعليه السلاح التامّ، فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه ويأخذ سلاحه، وربما قتله بسلاحه، وربما أمر الرجلين أحدهما بصاحبه، وكذلك في العدّة. وكان ممن هرب: الهرمزان، وقارن، وأهود.
وكان ممن استقتل: شهريار بن كنارا، وابن الهربذ، والفرّخان، وخسروشنوم.
وباع هلال بن علّفة سلب رستم - وكان تخفّف لما وقع في الماء - بسبعين ألفا، وكانت قيمة قلنسوته مائة ألف لو ظفر بها.
وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فقالوا: « أيها الأمير، رأينا جسد رستم على باب قصرك، وعليه رأس غيره. » وكان الضرب قد شوّهه، فضحك.
ومن أنباء الشام
وأما جند الشام فإنّ حمص افتتحت، وتوجّه علقمة إلى غزّة، وتوجّه معاوية إلى قيساريّة، وصمد عمرو بن العاص إلى الأرطبون بأجنادين، وكان الأرطبون أدهى الروم، أبعدها غورا، وأذكاها فعلا، وكان على الروم، وقد وضع بالرملة جندا عظيما، وكتب عمرو إلى عمر [ بالخبر ].
فقال عمر: « قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عمّا تنفرج. »
ذكر خديعة عمرو لأرطبون
وجعل عمرو ينفذ إلى الأرطبون رسلا فلا يشفونه. ولا يقدرون من أرطبون على سقطة. فعزم على أن يتولّاه بنفسه، فدخل عليه كأنّه رسول. فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمّل حصونه حتى عرف ما أراد.
وقال أرطبون في نفسه: « والله إنّ هذا لعمرو، أو الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأعظم عليهم من قتله. »
ثم دعا حرسيّا، فسارّه بقتله، وقال: « اخرج بمكان كذا وكذا، فإذا مرّ بك هذا فاقتله. » وفطن له عمرو فقال: « قد سمعت مني وسمعت منك. فأمّا ما قلت فقد وقع مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطّاب مع هذا الوالي لنكاتفه ويشهدنا أموره. فأرجع، فآتيك بهم الآن. فإذا رأوا في الذي عرضت مثل رأيي فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك. » فقال: « نعم. » ودعا رجلا، فسارّه وقال: « اذهب إلى فلان فردّه إليّ. » فرجع الرجل. وقال لعمرو: « انطلق، فجئ بأصحابك. » فخرج عمرو ورأى ألّا يعود لمثلها، وعلم الرومي أنّه قد خدعه. فقال: « خدعني الرجل. هذا أدهى الخلق. » فبلغت عمر فقال: « خدعه عمرو وغلبه. لله عمرو. »
سعد بن أبي وقاص يقدم زهرة إلى بهرسير
ثم إنّ سعد بن أبي وقاص قدّم زهرة بهرسير. فمضى زهرة من كوثى في المقدّمات حتى نزل بهرسير، فتلقاه شيرزاد بساباط بالصلح وتأدية الجزى.
فأمضاه إلى سعد، فأقبل معه وتبعته المجنّبات. وخرج هاشم وخرج سعد في إثره وقد فلّ زهرة كتيبة كسرى بوران [ حول ] المظلم، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط، ووقف لسعد حتى لحق به، وكانت به كتائب كسرى تدعى: « الأسود »، يحلفون بالله كلّ يوم: « لا يزول ملك فارس ما عشنا. » فتنادوا ورئيسهم المقرّط. وقال المقرّط: « إليّ إليّ. » وذلك لما انتهى إليه. فنزل إليه هاشم فقتله. فقبّل سعد رأس هاشم، وقبّل هاشم قدم سعد. وقدم سعد إلى بهرسير، فنزل إلى المظلم وقرأ: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ من قَبْلُ ما لَكُمْ من زَوالٍ. ثم ارتحل فنزل بهرسير. وجعل المسلمون كلّما قامت طائفة على بهرسير، وقفوا، ثم كبّروا كذلك، حتى انجرّ آخر من مع سعد، فكان مقامه على بهرسير شهرين. وعبروا في الثالث، وذلك أنّهم أقاموا شهرين يرمونهم بالمجانيق، ويدبّون إليهم بالدبابات، ويقاتلونهم بكلّ عدّة. وكان سعد استصنع شيرزاد عشرين منجنيقا، فشغلوهم بها. وكانت العرب مطيفة ببهرسير والعجم متحصّنة فيها. وربما خرج الأعاجم يمشون على المسنّيات المشرفة على دجلة في العدّة والعديد لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم. فكان آخر ما خرجوا في رجّالة، وناشبة تجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون ولم يلبّثوهم، فكذبوا وتولّوا.
ذكر استهانة في الحرب عادت بهلكة
هكذا وجدت في التاريخ وهو سهو، لأنّ زهرة بن الحويّة عاش بعد هذا، وشهد مواقف كثيرة، وسيرد جميعه على الأثر. ولعلّ هذا زهرة بن خالد، فلينظر في ذلك.
كان في ذلك اليوم على زهرة بن الحويّة درع مفصومة، فقيل له: « لو أمرت بهذا الفصم فسرد. » فقال: « ولم؟ » قال: « نخاف عليك منه. » قال: « إني لكريم على الله، إن ترك سهم فارس الجند كلّهم، ثم أتانى من هذا الفصم حتى يثبت في. » فكان أول رجل من المسلمين يومئذ أصيب هو بنشّابة ثبتت فيه من ذلك الفصم.
فقال بعضهم: « انزعوها عنه. » فقال: « دعوني، فإن نفسي معي ما دامت في، لعلّى أصيب منهم بطعنة، أو ضربة، أو خطوة. » فمضى نحو العدوّ، فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر، فقتله، وأحيط به فقتل، وانكشفوا. وتنادى أهل بهرسير، فعبروا. فلمّا رآهم سعد والمسلمون يعبرون، زحفوا إلى السور والمجانيق تأخذه. فناداهم رجل: « الأمان ». فآمنوه، فقال: « أيّ شيء ترمون؟ ما بقي في المدينة أحد. » فتسوّروا، ودخلوا بهرسير، وفتحوا أبوابها، وتحوّل العسكر إليها، وحاولوا العبور، فوجدوهم قد ضمّوا السفن إليهم في ما بين البطائح وتكريت.
-
بهرسير وأبيض كسرى
ولما دخل المسلمون بهرسير لاح لهم الأبيض. فقال ضرار بن الخطّاب: « الله أكبر، هذا ما وعد الله ورسوله: أبيض كسرى. » والله لتتابعوا بالتكبير حتى أصبحوا. وخبّرهم ذلك الرجل الذي نادى بالأمان: أنّكم حصرتم القوم حتى أكلوا الكلاب والسنانير.
ولمّا نزل سعد بهرسير - وهي المدينة التي كان فيها منزل كسرى - طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر على شيء، وأقام أيّاما يصعّد ويصوّب. فأتاه أعلاج يدلّونه على مخاضة تخاض إلى صلب الوادي، فأبى وأبقى على المسلمين وفجئهم المدّ، فرأوا أمرا هائلا في سنة جود صيفها متتابع.
فجمع سعد الناس وخطبهم وقال بعد حمد الله: « إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطّلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم. وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدوّ بنيّاتكم قبل أن تحصدكم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. » فقالوا جميعا: « عزم الله لنا ولك على الرشد. » فندب سعد الناس إلى العبور، فقال: « من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى لا يتلاحقوا ويلحق الناس، فلا يمنعوا من الخروج من الماء؟ ».
فانتدب له عاصم بن عمرو وجماعة من ذوي البأس. ثم انتدب بعدهم ستمائة من أهل النجدات. فاستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: « من ينتدب معي لمنع الفراض من عدوّكم لنحميكم حتى تعبروا؟ » فانتدب له ستون، فجعل نصفهم على خيول إناث، ونصفهم على ذكورة. ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمائة على أثرهم. فكان أول من فصل من الستمائة، رجل يعرف بأصمّ التيم وشرحبيل وعدّة من معه.
فلمّا رآهم الفرس وما صنعوا، أعدّوا للخيل التي عبرت مثلها، فاقتحموا دجلة فأعاموها إليهم. فقال عاصم وقد لقوه في السرعان وقد دنا من الفرضة: « الرماح، الرماح أشرعوها، وتوخّوا بها العيون ».
فالتقوا، وتوخّى المسلمون عيونهم. فولّوا بأجمعهم والمسلمون يشمّصون بهم خيلهم ما يملك رجالها منع شيء منها، فلحقوهم في الجدّ فقتلوا عامّتهم، ونجا من نجا منهم عورانا، وتزلزلت بهم الخيل، وتلاحق الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين، وأذن سعد للناس في الاقتحام وأمرهم بالاقتران، فتلاحق عظم الجند، فركبوا من دجلة اللجّة وإنّها لترمى بالزبد وهي مسودّة، وإنّ الناس ليتحدّثون في عومهم، وقد اقترنوا ما يكترثون، كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض. ففجئوا أهل فارس بما لم يكن في حسابهم، فأعجلوهم عن جمهور أموالهم.
وكان يزدجرد قد قدّم عياله وما خفّ من ذخائره معهم حين نزل المسلمون بهر سير إلى حلوان. وبلغ ذلك سعدا. جاءه بالخبر بعض الأعلاج وقال: « ما تنتظر إذا كان بعد ثلاث لم يبق بالمدائن مال لكسرى، ولا لأهله ».
فكان ذلك مما هيّج سعدا وحمله على ما فعل. فكان قرين سعد الذي يسايره في الماء سلمان الفارسيّ، وكان سفيرهم، والمترجم لهم وعنهم.
وحكي: أنّ ذلك الخيل عبر بأجمعه، وقد اسودّت منه دجلة حتى ما يرى الماء، فسلموا بأجمعهم، ما فقدوا رجلا واحدا، ولا أداة. غير أنّ رجلا كانت له علاقة في قدح رثّة، فانقطعت، وذهب القدح في الماء، والتقطه رجل من الماء كان أسفل، تناوله برمحه، وجاء به إلى العسكر يعرّفه، فأخذه صاحبه.
وزال رجل من بارق يومئذ يدعى غرقدة عن ظهر فرس له شقراء، فنظر إليها المسلمون عريا تنفض أعرافها والغريق طاف، فثنّى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فأخذ بيده، وجرّه حتى عبر، وكان البارقيّ من أشدّ الناس، فقال: أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع؟ » - وكان للقعقاع فيهم خؤولة.
وما زالت حماة فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال:
« علام تقاتلون، ولم تقتلون أنفسكم؟ فوالله ما في المدائن أحد. »
مبادرة يزدجرد إلى حلوان
-
وبادر يزدجرد إلى حلوان، وخلّف مهران الرازي والنخيرجان - وكان على بيت المال بالنهروان - وخرجت الفرس بما قدرت عليه من حرّ المتاع وخفيفه وبالنساء والذراريّ، وتركوا في الخزائن من الثياب، والأمتعة والآنية، والفضول، والألطاف، والعطر، ما لا يدرى: ما قيمته. وخلّفوا ما كانوا أعدّوا للحصار من الأطعمة، والأشربة، وأصناف المأكول والحيوان من البقر، والغنم.
دخول المدائن
فدخل المسلمون المدائن، وأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا ولا يحسّونه، إلّا من كان في القصر الأبيض. فأحيط بهم ودعوهم. وكانوا قد اتعظوا بأهل بهرسير. وذلك أنّ المسلمين لما نزلوا عليهم أجّلوهم ثلاثا، ودعوهم إلى ثلاث خصال: إمّا الإسلام، وإمّا الجزية، وإمّا الحرب. فلما لم يجيبوا في [ اليوم ] الثالث أبادوهم. ولما دعوا أهل القصر الأبيض إلى مثل ذلك اختاروا الجزية. وكان المخاطب لهم سلمان الفارسي.
وملك المسلمون الغنائم، واحتوى سعد على بيوت المال، فوجد فيها ثلاثة آلاف ألف ألف. فنزل سعد القصر الأبيض، واتّخذ الإيوان مصلّى. وقدّم جيشا إلى النهروان، عليهم زهرة، وتراجع إلى المدائن أهلها على الأمان والرضا بالجزية.
ووجدوا بالمدائن قبابا تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، قالوا: فما حسبناها إلّا طعاما من حلواء، فإذا هي آنية الذهب والفضّة! وقسمت بعد في الناس.
قال حبيب: لقد رأيت رجلا يطوف ويقول: « من معه بيضاء بصفراء. » ولقد أتينا على كافور كثير. فما حسبناه إلّا ملحا، فجعلنا نعجّن به الدقيق حتى وجدنا مرارته في الخبز! ولما انتهى زهرة في المقدمة إلى النهروان وجدهم قد ازدحموا، فوقع بغل في الماء كلبوا عليه. فقال زهرة: « إني أقسم بالله انّ لهذا البغل لشأنا ما كلب عليه القوم، ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلّا لأمر. » وإذا الذي عليه خرزات كسرى ووشائحه، وعليها من الجواهر ما لا تعرف قيمته، وكان يجلس فيها يوم المباهاة.
فترجّل زهرة يومئذ حتى أزاحهم عن البغل، فاحتمله هو وأصحابه، وجاءوا بما عليه إلى صاحب الأقباض، لا يدرون ما عليه حتى فتح هناك.
تاج كسرى وأدراعه
وحكى هبيرة بن الأشعث عن جدّه قال:
كنت ممن خرج في الطلب، فإذا ببغلين فذاد راكباهما عنهما بالنشّاب، ونظرت، وإذا لم يبق معهما غير نشّابين. فألححت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: « على ما أرى، ارمه وأحميك، أو أرميه واحمنى! » فحمى كلّ واحد منهما صاحبه حتى رميا بهما. ثم إني حملت عليهما، فقتلتهما، وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما، حتى أتيت بهما صاحب الأقباض وإذا هو يكتب ما يأتى به الناس وما يجمع من الخزائن والدور، فقال: « على رسلك حتى ننظر ما معك! » فأطلت الوقوف بعد ما حصلت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسّخا، وكان لا يحمله إلّا أسطوانتان، وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى منسوجة بالذهب المنظوم بالجوهر.
وخرج القعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسيّ يحمى الناس، فاقتتلا، فقتله، وإذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان وغلافان، وفي أحد الغلافين خمسة أسياف، وفي الآخر ستة أسياف، وإذا في إحدى العيبتين أدراع: درع كسرى، ومغافره، وساقاه، وساعده، ودرع هرقل، وفي الآخر درع سياوخش، ودرع خاقان، ودرع داهر، ودرع بهرام شوبين، ودرع النعمان، وكان الفرس استلبوها من أربابها أيام خالفوا كسرى.
وحكى عاصم بن الحارث قال: خرجت في الطلب. فأخذت طريقا مسلوكا، وإذا حمار. فلمّا رآني صاحبه حثّه، فلحق بآخر أمامه، فمالا، وحثّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرّقا ورمانى أحدهما، فألظظت حتى قتلته، وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض.
فنظرنا، فإذا على أحدهما سفطان، في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضّة، على ثفره ولببه الياقوت والزمرّد منظوما على الفضّة، ولجامه كذلك، وفارس من فضّة مكلّل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضّة عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب، ولهما شناق أو زمام من ذهب، وكلّ ذلك منظوم بالجوهر، وإذا عليها رجل من ذهب مكلّل بالياقوت كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتى التاج.
وحكى غيره: أنّ رجلا أقبل بحقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال هو والذين معه: « ما رأينا مثل هذا قطّ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. » ثم سألوه عن نفسه، فأبى أن يخبرهم، وقال: « لا والله، لا أخبركم لتحمدونى، ولا لتقرّظونى، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه. » وقال سعد: « لولا ما سبق به أهل بدر، لقلت: إنكم أفضل منهم وأكرم وأيم الله، لقد تتبّعت من أهل بدر هنات وهنات فيما أحرزوا، وما أحسّها ولا أسمعها من هؤلاء القوم.
وقال جابر بن عبد الله: « والله الذي لا إله إلّا هو، ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية أنّه يريد الدنيا مع الآخرة. ولقد اتّهمنا ثلاثة أنفس فما رأينا كأمانتهم وزهدهم وورعهم: طليحة بن خويلد، وعمرو بن معدى كرب، وقيس بن المكشوح. »
عمر وتاج كسرى
ولما قدم على عمر بن الخطّاب بتاج كسرى وبزّته، وزبرجه، ومنطقته، وسلاحه، قال: « إنّ قوما أدّوا هذا لذو أمانة. » فقال عليّ صلوات الله عليه: « إنّك عففت فعفّت الرعيّة. » ولما قسم سعد الفيء أصاب الفارس اثنا عشر ألف درهم، وكلّهم كان فارسا يوم المدائن، وليس فيهم راجل، وكانت الجنائب كثيرة. ولما نزل سعد المدائن بعث إلى العيالات، فأنزلهم الدور وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء، وحلوان، وتكريت، والموصل. ثم تحوّلوا إلى الكوفة.
-
بساط يساوى جريبا
ولما قسم سعد الفيء أخذ يسأل بعد القسم وإخراج الخمس [ عن ] القطف، فلم تعدل قيمته، فقال للمسلمين: « هل لكم في أن نطيب نفسا عن أربعة أخماسه ونبعث به إلى عمر، فيضعه حيث يرى، فانّا لا نراه ينفق بيننا؟ » فقالوا: « نعم، هاء الله إذا. » فبعث. وكان ستّين ذراعا في ستّين ذراعا، بساطا واحدا مقدار جريب، فيه طرق كالصور، وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدير، وفي حافاته كالأرض المزروعة المبقلة بالنبات، وعليه ما كانوا يعدّونه في الشتاء، إذا ذهبت الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه، وكأنّهم في رياض، لأنّ الأرض - أرض البساط - مذهّب، ووشيه فصوص، وعليه قضبان الذهب، عليها أنوار من الذهب والفضة، وأوراق كذلك من حرير قد أجرى فيه ماء الذهب، وكانت العرب تسميه القطف.
فلما قدم به على عمر جمع الناس، وخطبهم، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره. فاختلف عليه الناس، فمن مشير بقبضه وآخر مفوّض إليه، وآخر مرقّق.
فقام عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png فقال: « لم تجعل علمك جهلا، ويقينك شكّا؟ إنّك إن تقبله على هذا، اليوم، لم تعدم في غد من يستحلّ به ما ليس له. » فقال: « صدقتني ونصحتني. » فقطعه وقسمه. وأصاب عليّا قطعة منه باعها بعشرين ألفا، وما هي بأجود تلك القطع.
زي كسرى على محلم
ولما عرض على عمر - رضي الله عنه - حليّ كسرى وزيّه في المباهاة - وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زيّ - قال: « عليّ بمحلّم. » وكان أجسم عربيّ يومئذ بالمدينة، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب وصبّ عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس. فنظر إليه عمر والناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها. ثم أقيم عن ذلك، وألبس زيّه الآخر، فنظروا إليه، ثم كذلك في غير نوع حتى أتى عليها كلّها، ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك.
فقال عمر: « إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة. » قال: « أحمق بامرئ من المسلمين غرّته الدنيا، هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا؟ وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه ولا ينفعه. إنّ كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته، فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه، ووضع الفضول مواضعها تحصل له، وإلّا حصلت للثلاثة بعده، وأحمق من جمع لهم أو لعدوّ جارف. »
وقعة جلولاء
ثم إنّ سعدا أتاه الخبر بأنّ مهران قد عسكر بجلولاء وخندق عليه، وأنّ أهل الموصل قد عسكروا بتكريت. وكتب إلى عمر بذلك. فكتب إليه عمر:
« قدّم هاشما إلى جلولاء في اثنى عشر ألفا من وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ، ومن لم يرتدّ، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو. »
وكان الفرس لما انتهوا بعد الحرب من المدائن إلى جلولاء، رأوا الطريق يفترق بأهل آذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس. فتذامروا، وقال بعضهم لبعض:
« يا معشر الفرس، إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، هذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا، فلنجتمع للعرب به، ولنقاتلهم بجميع عزائمنا. فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى، كنّا قد أبلينا العذر. »
فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه، على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان، ورماهم بالرجال، وخلّف فيهم الأموال. فأقاموا في خندقهم وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلّا طرقهم.
فلمّا قدم هاشم أحاط بهم، وطاولهم أهل فارس، وكانوا لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا كلّ ينصر المسلمون، ويغلب المشركون، حتى غلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد، وتركوا للمجال وجها. فخرجوا على المسلمين منه، واقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير، إلّا أنّه كان أكمش وأعجل، ولم ير المسلمون ولا المشركون مثله في موطن قطّ حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات، فكانوا بذلك إلى بين الصلاتين، وصلّى الناس إيماء.
ثم خنست كتيبة للمشركين وجاءت أخرى، فوقفت مكانها، ثم كذلك، فكسر المسلمين ما رأوا.
فقال القعقاع بن عمرو: « أيها الناس، أهالتكم هذه؟ » فقالوا: « وكيف لا يهولنا ونحن مكلّون وهم مريحون. » فقال القعقاع: « اصبروا إلى الساعة، فإني حامل عليهم، فاحتملوا معي ولا يكذّبنّ أحد حتى يحكم الله بيننا. » ثم حمل، وحمل معه الناس، وانتهى بالقعقاع وجهه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذه. وأمر مناديا فنادى: « يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل الخندق وأخذ به، فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. » وإنّما أمر بذلك ليقوّى المسلمين به، ولئلّا يتحاجزوا. فحمل المسلمون ولا يشكّون إلّا أنّ هاشما في الخندق. فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع قد أخذ به، والمشركون يمنة ويسرة على المجال الذي بحيال خندقهم. فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين من الحسك، وعقرت دوابّهم وعادوا رجّالة، ويتّبعهم المسلمون. فلم يفلت إلّا من لا يعدّ، وقتل منهم يومئذ مائة ألف أو يزيدون، فجلّلت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسمّيت: « جلولاء الوقيعة ». واقتسم الناس في جلولاء مثل ما اقتسموا في المدائن. ويقال: إنّهم اقتسموا على ثلاثين ألف ألف، وكان الخمس منه ستة ألف ألف. واقتسم السبايا، فاتخذن، وولدن في المسلمين.
استيذان عمر في الإنسياح
ولما بلغت الهزيمة يزدجرد، سار من حلوان نحو الجبل، وقدم القعقاع حلوان.
وكوتب عمر بفتح جلولاء ونزول القعقاع حلوان، واستأذنوه في اتّباعهم، فقال: « وددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم. حسبنا من الريف السواد. إني قد آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. » وبعث بالأخماس مع جماعة فيهم زياد بن أبي سفيان، وكان هو الذي يكتب للناس ويدوّنهم.
فلمّا قدموا على عمر، كلّم زياد عمر فيما جاء له من الاستيذان في التقدّم، ووصف له الحال.
فقال عمر: « هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلّمتنى به؟ » فقال: « والله، ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! » فقام في الناس بما أصابوا، وبما صنعوا، وبجميع ما يستأذنون فيه من الإنسياح في البلاد.
فقال عمر: « هذا الخطيب المصقع. » وقال: « إنّ جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا بالمقال. » ثم إنّ عمر لما نظر إلى الأخماس المحمولة من جلولاء قال: « والله، لا يحمّنّه سقف بيت حتى أقسمه. » فبات عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في سقف المسجد.
فلمّا أصبح جاء في الناس، فكشف عنه الأنطاع. فلمّا نظر إلى ياقوته، وزبرجده، وجوهره، بكى.
فقال له عبد الرحمن: « ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله، إنّ هذا لموطن شكر وسرور. »
فقال عمر: « ما ذا يبكيني؟ والله، ما أعطى الله هذا قوما إلّا تحاسدوا، وتباغضوا. ولا تحاسدوا إلّا وقع بأسهم بينهم. » ولما فرض عمر العطاء، قال قائل: « يا أمير المؤمنين، لو تركت في بيوت الأموال عدّة لكون إن كان. » فقال: « كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني الله شرّها، وهي فتنة لمن بعدي. بل أعدّ لهم ما أعدّ الله ورسوله. طاعة الله ورسوله، فهما عدّتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون. »
-
ما عامل به عمر خالد بن الوليد
وفي سنة سبع عشرة، أدرب خالد بن الوليد وعياض، وكان خالد على قنّسرين من تحت يد أبي عبيدة، فأصابوا أموالا عظيمة. فانتجع خالدا رجال.
وكان الأشعث بن قيس فيمن انتجع خالدا بقنّسرين، فأجازه بعشرة آلاف، وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، فكتب إليه بخروج من خرج من تلك الغزاة من الشام، وبجائزة من أجيز.
فدعا البريد وكتب معه إلى أبي عبيدة:
أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث: أمن ماله، أم من إصابة، فإن زعم أنّها من إصابة أصابها، فقد أقرّ بخيانة، وإن زعم أنّها من ماله، فقد أسرف، فاعزله على كلّ حال، واضمم إليك عمله.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه. ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر، فقام البريد، فقال: « يا خالد! أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة؟ » فلم يجبه حتى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا.
فقال بلال بعد أن قام إليه: « إنّ أمير المؤمنين أمر بكذا وكذا. » وتناول عمامته فنقضها، لا يمنعه سمعا وطاعة. ووضع قلنسوته، ثم أقامه، فعقله بعمامته وقال: « ما تقول، أمن مالك، أم من أصابة؟ » قال: « لا. بل من مالي. » فأطلقه، وأعاد قلنسوته، ثم عممه بيده وقال: « نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم موالينا. » وأقام خالد متحيّرا لا يدرى: أمعزول أم غير معزول. وجعل أبو عبيدة يكرمه ويزيده تفخيما ولا يخبره. فلمّا طال على عمر أن يقدم خالد، ظنّ الذي كان.
فكتب إليه بالإقبال.
فأتى خالد أبا عبيدة، فقال: « رحمك الله، ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتني أمرا كنت أحبّ أن أعرفه قبل اليوم. » فقال أبو عبيدة: « إني والله ما كنت لأروعك: ما وجدت بدّا، وقد علمت أنّ ذلك يروعك. » فرجع خالد إلى قنّسرين فخطب أهل عمله، وودّعهم، وتحمّل، ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه، وقال: « لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله، إنّك في أمري غير مجمل يا عمر. » فقال له عمر: « من أين هذا الثراء؟ » قال: « من الأنفال والسّهمان. » ثم أخذ منه عشرين ألف درهم، فأدخلها بيت المال. ثم قال: « يا خالد، والله إنّك عليّ لكريم، وإنّك إليّ لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء. »
وكتب عمر في الأمصار:
« إني لم أعزل خالدا عن سخط ولا خيانة ولكنّ المسلمين فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا [ به ] وأحببت أن تعلموا أنّ الله هو الصانع، وألّا نكون بعرض فتنة. »
وحجّ عمر في هذه السنة، وبنى المسجد الحرام، ووسّع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها.
علاء بن الحضرمي وعاقبة عصيانه
وكان علاء بن الحضرمي بالبحرين واليا من قبل أبي بكر ثم من قبل عمر وكان يبارى سعدا، فطال العلاء على سعد في الردّة بالفضل. فلمّا ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة، وأخذ حدود ما يلي السواد وغيرها، واستعلى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، أحبّ العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم، ورجا أن يدال كما قد أديل.
ولم ينظر العلاء في ما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ. وكان عمر لما ولّاه نهاه عن البحر، فلم يفكّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، وطمع في فارس من جهته.
فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا: على أحدها الجاورد بن المعلّى، وعلى الآخر السوار بن همّام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد على جماعة الناس. فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر وبازائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم.
فقام خليد في الناس فقال:
« أمّا بعد، فإنّ الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى يصيبه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنّما جئتم لمحاربتهم والأرض والسفن لمن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة. »
فأجابوه إلى ذلك وصلّوا الظهر، ثم ناهدوهم في موضع يقال له: طاؤوس.
فقتل جماعة من المسلمين فيهم السوار والمنذر بن الجارود. وتزجّل خليد بن المنذر وارتجز:
يال تميم جمّعوا النزول ** قد كاد جيش عمر يزول
وكلّكم يعلم ما أقول
« وانزلوا! » فنزلوا، فقاتلوا القوم، فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها، وهزم الباقون. ثم خرجوا يريدون البصرة، فغرقت سفنهم ولم يجدوا إلى الرجوع سبيلا. فوجدوا سهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم ذلك.
وبلغ عمر ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر، فألقى في روعه نحو من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إليه بعزله، وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وقال له:
« الحق بسعد بن أبي وقّاص في من قبلك، فهو أمير عليك. » فخرج بمن معه نحو سعد.
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان:
« انّ العلاء بن الحضرمي حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنّه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم ألّا ينصروا، وأن يغلبوا، وينشبوا. فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. »
فندب عتبة الناس إليهم وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة وجماعة يجرون مجراهم كالأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وصعصعة بن معاوية، فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم. فسار أبو سبرة بالناس وساحل لا يلقاه أحد ولا تعرّض له حتى التقى مع خليد، بحيث أخذ عليهم الطريق غبّ وقعة القوم بطاؤوس، وإنّما كان ولى قتالهم أهل إصطخر والشذّاذ من غيرهم، وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا بالطرق على المسلمين وأنشبوهم، استصرخوا أهل فارس كلهم، فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة.
فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاؤوس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين سهرك. فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا، وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا أفضل نوابت الأمصار، ثم انكفأوا بما أصابوا.
وكتب إليهم عتبة بالحثّ وقلّة العرجة، فانضمّوا إليه بالبصرة، وقبل ذلك فتح عتبة الأهواز، وقاتل فيها الهرمزان حتى ظفر به بتستر بعد وقعات أسر في آخرها الهرمزان وأعطى بيده على الرضا بحكم عمر. وقتل الهرمزان بيده البراء بن مالك ومجزأة بن ثور.
-
إرسال الهرمزان إلى المدينة
ووفد أبو سبرة وفدا فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس. فأرسل الهرمزان معهم فقدموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة.
فلما دخلوها هيّأوا الهرمزان في هيأته، وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى ال « آذين » مكلّلا بالياقوت، وعليه حليته كي ما يراه عمر والمسلمون. ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله، فلم يجدوه. فسألوا عنه، فقيل لهم: « جلس في المسجد. » ولم يروه. فلمّا انصرفوا، مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون.
فقالوا لهم: « ما تلدّدكم، تريدون أمير المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسّد برنسه. » وكان عمر جلس لوفد الكوفة في برنس. فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه، نزع برنسه، ثم توسّده فنام.
فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرّة في يده معلّقها.
فقال الهرمزان: « أين عمر؟ » قالوا: « ها هو ذا! » وجعل الوفد يشيرون إلى الناس: أن اسكتوا عنه. وأصغى الهرمزان إلى الوفد.
فقال: « أين حرسه وحجّابه عنه؟ » قالوا: « ليس له حاجب ولا حارس ولا كاتب ولا ديوان. »
قال: « فينبغي أن يكون نبيا. » فقالوا: « لا، ولكنّه يعمل عمل الأنبياء. »
وكثر الناس وكلامهم، فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا. ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: « الهرمزان؟ » فقالوا: « نعم! » فتأمله، وتأمّل ما عليه، ثم قال: « أعوذ بالله من النار، الحمد لله الذي أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين! تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنّكم الدنيا، فإنّها غرّارة. » فقال الوفد: « هذا ملك الأهواز، فكلّمه! » قال: « لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء. »
فرمى عنه بكلّ شيء إلّا ما يستره، فألبسوه ثوبا صفيقا.
فقال عمر: « هي يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ » فقال: « يا عمر! إنّا وإيّاكم في الجاهلية كان الله خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا صار معكم غلبتمونا. » فقال عمر: « إنّما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرّقنا. »
ذكر خديعة للهرمزان وحيلة له حتى آمنه عمر
ثم قال عمر: « ما عذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ » فقال: « أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. »
قال: « لا تخف ذلك. » واستسقى ماء، فأتى به في قدح. فقال: « لو متّ عطشا لم أستطع الشرب في مثل هذا. » فأتى به في إناء يرضاه. فجعلت يده ترعد، وقال: « إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. » فقال له عمر: « لا تخف، فلا بأس عليك حتى تشربه. » فألقاه. فقال عمر: « أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. » فقال: « لا حاجة لي في الماء، إنّما أردت أن أستأمن به. »! فقال له عمر: « إني قاتلك. » قال: « قد آمنتنى. » فقال: « كذبت. » فقال أنس: « صدق يا أمير المؤمنين »! فقال: « ويحك! أنا أومن قاتل مجزأة والبراء؟ لتأتينّى بمخرج ما قتلت! » قال: « قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه. » وقال جلّة الصحابة ممن حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان وقال: « تكلّم بحجّتك. » قال: « كلام حيّ أم كلام ميّت؟ » قال: « بل كلام حيّ. » قال: « قد آمنتنى ثالثة. »
قال عمر: « خدعتني! لا والله، لا أومنك إلّا أن تسلم. » فقيل له: « أسلم! وإلّا قتلت. » فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
عمر واللغة الفارسية
وكان المغيرة بن شعبة يترجم بينهما إلى أن حضر الترجمان.
فقال عمر للمغيرة: « سله: من أيّة أرض أنت؟ » فقال المغيرة: « أز كذام أرضيه؟ » فقال: « مهرجانيّ. » وكان المغيرة يفقه شيئا [ من الفارسيّة ].
فقال له عمر: « ما أراك حاذقا بها. ما أحسنها منكم أحد إلّا خبّ، وما خبّ إلّا دقّ. إيّاكم وإيّاها، فإنّها تنقص الإعراب. » وأقبل زيد بعد ذلك، فجعل يترجم بينهما.
ذكر رأي صحيح للأحنف بن قيس
وقال عمر للوفد: « لعلّ المسلمين يفضون إلى أهل الذمّة بأذى، أو بأمور لها ما ينتقضون بكم. » فقالوا: « ما نعلم إلّا حسن ملكة. » قال: « فكيف هذا؟ »
فلم يجد عند أحد ما يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلّا ما كان من الأحنف فإنّه قال: « يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الإنسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وأنّ ملك فارس حيّ بين أظهرهم، وأنّهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان حتى يفنى أحدهما صاحبه. وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلّا بانبعاثهم مرّة بعد مرّة، وأنّ ملكهم هو الذي يبعثهم. ولا يزالون هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح في بلادهم، حتى نزيله عن بلادهم، ونخرجه من مملكته وعزّ أمّته، فهناك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربوا جأشا. » فقال عمر: « صدقتني والله، وشرحت لي الأمر عن حقّه. » فكان هذا سبب إذنه لهم في الإنسياح.
يزدجرد يمضى إلى إصطخر وسياه يشترط للإسلام
ومضى يزدجرد بمشورة الموبذ إلى إصطخر فينزلها، لأنّها دار المملكة ويوجّه الجنود. فلمّا بلغ إصبهان أقام أياما وقدم سياه لينتخب من كلّ بلدة مرّ بها من أحبّ. فمضى سياه واتبعه يزدجرد حتى نزلوا بإصطخر، ووجّه سياه إلى السوس. ولم يزل كذلك حتى قدم عمار بن ياسر وأبو موسى يومئذ بتستر.
-
سياه يرى الدخول في الإسلام
فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من إصبهان، وقال: « قد علمتم أنّا كنّا نتحدّث أنّ هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس، سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابّهم في أبواب إصطخر ومصانع الملوك، ويشدّون خيلهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بحصن إلّا فتحوه. فانظروا لأنفسكم. » قالوا: « رأينا رأيك. » قال: « فليكفنى كلّ رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم. » ووجّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى يأخذ لهم شروطا على أن يدخلوا في الإسلام.
فقدم شيرويه على أبي موسى فقال: « إنّا قد رغبنا في دينكم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معكم العرب، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم، وننزل حيث شئنا، ونكون في من شئنا منكم، وتلحقوننا بأشرف العطاء، يعقد لنا بذلك الأمر، الذي هو فوقك. » فقال أبو موسى: « لكم ما لنا، وعليكم ما علينا. » قالوا: « لا نرضى. » وكتب أبو موسى إلى عمر بذلك. فقال: « أعطهم ما سألوك. » فكتب لهم أبو موسى فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر. فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدّا ولا نكاية.
فقال لسياه: « يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنّا نرى قبل اليوم! » قال: « لسنا مثلكم في هذا الدين، ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهنّ، ولم تلحقونا بأشرف العطاء، ولنا سلاح وكراع وأنتم حسّر. » فكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر. فكتب إليه عمر أن: « ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء، وأكثر شيء أخذه أحد من العرب. » ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين وخمسمائة: لسياه وخسرو - ولقبه مقلاص - وشهريار، وشيرويه، وسارويه، وأفريذون.
ذكر مكيدة في فتح حصن
فأمّا سياه فمشى إلى حصن. ويقال: إنّه تستر في زيّ العجم، حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن ونضح ثيابه بالدم. فأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا في زيّهم صريعا، فظنّوه منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلّوا عن باب الحصن وهربوا. ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون. وأمّا خسرو فمشى إلى حصن آخر حاصروه، فأشرف عليه رجل رئيس منهم، فكلّمه، ثم رماه خسرو بنشّابة فقتله.
ذكر حيلة قوم في الحصار خرجوا بها من حصارهم وسياسة لعمر
وأما جنديسابور فإنّ أبا سبرة لمّا فرغ من السوس خرج في جنده حتى نزل عليها، وحاصرهم أيّاما يغادونه ويراوحونه القتال. فرمى إليهم بأمان من عسكر المسلمين وفتح بابها. فلم يفجأ المسلمين إلّا أبوابها تفتح. ثم خرج السرح وخرجت الأسواق وانبثّ أهلها.
فأرسل المسلمون أن: « ما لكم؟ » قالوا: « رميتم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا لكم بالجزى على أن تمنعونا. » فقالوا: « ما فعلنا. » فقالوا: « ما كذبنا. » فتساءل المسلمون بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم.
فقالوا: « إنّما هو عبد. » فقالوا: « نحن لا نعرف حرّكم من عبدكم، قد جاءنا أمان، فنحن عليه، قد قبلناه ولم نبدّل. فإن شئتم فاغدروا. » فأمسكوا عنهم وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب إليهم: « لم تكونوا أوفياء، حتى تفوا على الشكّ، أجيزوهم وفوا لهم. » ثم عمل عمر برأى الأحنف، وعقد الأولوية للأمراء والجنود من أهل الكوفة وأهل البصرة. فكان لواء الأحنف على خراسان.
-
يوم نهاوند فتح الفتوح
ولما خرج يزدجرد من الجبل، وصار إلى مرو، وكاتب الجيوش بالأطراف، فكتب إلى أهل الجبال، ممّن بين الباب والسند وخراسان وحلوان، فتحرّكوا وتكاتبوا وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ثم يبرموا فيها أمورهم. فتوافى إليها من بين حلوان وخراسان ومن بين الباب وحلوان، ومن بين سجستان إلى حلوان، فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج وأهل الجبال وهم مائة وخمسون ألفا.
ثم تآمر الرؤساء عند الفيرزان وكان عليهم، فقالوا: « إنّ محمدا الذي جاء العرب بالدين لم يعرض عرضنا. ثم ملكهم أبو بكر من بعده، فلم يعرض عرض فارس إلّا في غارة تعرض لهم فيها، وإلّا في ما يلي ديارهم. ثم ملك عمر فطال ملكه وعرض حتى تناولكم، وأخذ السواد كلّه، والأهواز. ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس والمملكة في عقر دارهم وهو آتيكم إن لم تأتوه. وقد أخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقطعوا هذين المصرين وتشغلوه في بلاده وقراره. » فتعاهدوا وتواثقوا. وكتبوا بينهم على ذلك كتابا، وتمالئوا عليه.
وبلغ الخبر سعدا، وخرج إلى عمر ليشافهه بذلك، ولأنّ قوما من جنده شغبوا عليه، وسعوا به إلى عمر، فاستخلف عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فكتب عبد الله بن عبد الله إلى عمر أنّه: « قد تجمّعت الفرس مائة وخمسين ألفا مقاتلة مستميتين، فإن جاءونا قبل أن تبدرهم الشدّة ازدادوا جرأة وقوّة، وإن نحن عاجلناهم كان ذلك لنا عليهم. » وكان الرسول بذلك قريب بن ظفر. ولما قدم الرسول بالكتاب على عمر وبالخبر قرأه، وسمع منه، وقال: « ما اسمك؟ » قال: « قريب. » قال: « ابن من؟ » قال: « ابن ظفر. » فتفأّل بذلك وقال: « ظفر قريب، إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله. »
ذكر آراء صح منها واحد
ونودى في الناس: « الصلاة جامعة. » فاجتمع الناس ووافاه سعد فقال: « إليّ سعد بن مالك! » وقام عمر على المنبر خطيبا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: « هذا يوم له ما بعده، فاسمعوا لي، ثم أجيبوني، وأوجزوا، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا، وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ لكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأي، إني قد رأيت أن أسير في من قبلي ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا من هذين المصرين وسطا، ثم أستنفرهم، ثم أكون لهم ردءا، حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب. » فقام طلحة بن عبيد الله فقال: « يا أمير المؤمنين، قد أحكمتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك. » في كلام طويل يشبه هذا، ثم جلس.
فعاد عمر فقال: « هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلّموا. » فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال: « أرى - يا أمير المؤمنين - أن تكتب إلى أهل اليمن، فيسيروا من يمنهم، وإلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وتسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة، فتلقى جميع المشركين بجميع المسلمين، فإنّك إذا سرت بمن معك وعندك، قلّ في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعزّ عزّا. يا أمير المؤمنين، إنّك لا تستبقى من نفسك بعد العرب باقية، ولا تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إنّ هذا يوم له ما بعده من الأيام [ فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه ]، فتكلّموا. » فقام عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png فقال: « أما بعد، فإنّك إن أشخصت أهل الشام من شامهم، سارت الروم إلى ذراريّهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم، سارت الحبشة إلى ذراريّهم، وإنّك إن أشخصت أهل الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى تكون ما تدع وراءك، أهمّ إليك مما بين يديك من العورات والعيالات. أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة، فليفترقوا ثلاث فرق: فلتقم فرقة في أهل عهدهم لئلّا ينتقضوا عليهم، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم، لأنّ الأعاجم إن ينظروا إليك ويقولوا: هذا أمير العرب وأصل العرب، كان أشدّ لكلبهم، وألّبتهم عليك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم، فإنّ الله هو أكره لمسيرهم منك، ولهو أقدر على تغيير ما يكره، وأمّا ما ذكرت من عددهم، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكنّا كنّا نقاتلهم بالنصر. » فقال عمر: « أجل، هذا الرأي. والله أين سرت لينتقضنّ عليّ الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرت إليّ الأعاجم لا يفارقوا العرصة وليمدّنّهم من لم يمدّهم، وليقولنّ: هذا أصل العرب، فإن اقتطعتموه فقد اقتطعتم أصل العرب. فأشيروا عليّ برجل أولّه ذلك الثغر، واجعلوه عراقيّا. » فقالوا: « أنت أعلم يا - أمير المؤمنين - بجندك وأهل عراقك، فقد وفدوا عليك، ورأيتهم وكلّمتهم. »
ابتداء وقعة نهاوند
-
وكان النعمان بن مقرّن على كسكر، ولّاه سعد الخراج بها. فكتب إلى عمر: « إنّ مثلي ومثل كسكر مثل رجل شابّ إلى جنبه مؤمسة تلوّن له وتعطّر، فأنشدك الله لمّا عزلتني وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين. » فلمّا كان هذا اليوم الذي خطب فيه عمر، وجرى ما جرى مما كتبته، قال عمر: « أما والله لأولّينّ أمرهم رجلا ليكوننّ أول الأسنّة إذا لقيها غدا. » فقيل: « من، يا أمير المؤمنين؟ » فقال: « النعمان بن مقرّن ». قالوا: « هو لها. »
فكتب إليه عمر أن: « ائت نهاوند، فأنت على الناس بها. » فلمّا التقوا كان أول قتيل. وسنحكى خبره في موضعه.
وردّ عمر قريب بن ظفر، وردّ معه السائب الأقرع وكان السائب يومئذ مندوبا للأمانة وقسمة الفيء، لأنّه كان كاتبا حاسبا، كما كان محمد بن مسلمة مندوبا لتتبع العمال والطواف عليهم.
وقال عمر للأقرع: « إن فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم، ولا تخدعني، ولا ترفع إليّ باطلا، وإن نكب القوم، فلا تراني ولا أراك، فبطن الأرض خير لك من ظهرها. » فقدما الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث. وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الروادف، ليبلوا في الدين، وليدركوا حظّا.
ذكر خديعة للهرمزان لم تتم له وما جرى بعد ذلك
كان عمر بن الخطّاب استدعى الهرمزان حين آمنه، فقال: « انصح لي فقد آمنتك. » قال: « نعم. إنّ الفرس اليوم رأس وجناحان. » قال: « فأين الرأس. » قال: « بنهاوند مع بندار، ومعه أساورة كسرى وأهل إصبهان. » قال: « فأين الجناحان؟ » فذكر مكانا. قال الهرمزان: « فاقطع الجناحين يهن الرأس. »
فقال عمر: « كذبت يا عدوّ الله بل أعمد إلى الرأس، فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يقبض عليه الجناحان. »
فكتب إلى أبي موسى أن: سر بأهل البصرة، وإلى حذيفة أن: سر بأهل الكوفة.
وبعث بعثا من المدينة فيهم ابنه عبد الله بن عمر، وفيهم المهاجرون والأنصار، وقال: « إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرّن. » فخرج حذيفة بن اليمان بالناس ومعه نعيم بن مقرّن حتى قدموا على النعمان بالطزر وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النّسير، وقد كتب عمر إلى سلمى بن القين وحرملة وزرّ بن كليب وقوّاد المسلمين الذين كانوا بين فارس والأهواز أن: « اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين الأهواز وفارس حتى يأتيكم أمري. » وبعث مجاشع بن مسعود السلميّ إلى الأهواز، وقال له: انصل منها على ماه.
فلما صار بغضي شجر ناحية مرج القلعة، أمره النعمان أن يقيم بمكانه ونصل سلميّ وحرملة وزرّ، فكانوا في تخوم إصبهان وفارس، فقطعوا بذلك عن نهاوند الأمداد من فارس.
وورد على النعمان، وهو بطزر، كتاب عمر: « إنّ معك حدّ العرب ورجالهم فاستعن بهم وبرأيهم، وسل طليحة وعمرا، ولا تولّهم شيئا ».
فبعث من بطزر طليحة وعمرا، وعمرو بن أبي سلمى ليؤاتوه بالخبر. فأما عمرو وعمرو فإنّهما رجعا من الطريق آخر الليل.
فقال طليحة: « ما الذي يرجعكما؟ »
قالا: « سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا، وخفنا أن يؤخذ علينا بالطريق. » ولم يحفل بهما. ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبينها وبين الطزر بضعة وعشرون فرسخا.
فقال الناس: « ارتدّ الثانية. » فلما علم طليحة علم القوم، رجع، حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس.
وقال: « ما شأن القوم؟ » فأخبروه بالذي خافوا عليه.
فقال: « والله لو لم يكن [ دين ] إلّا العربية فقط، ما كنت لأجزر هذه العرب العاربة لهذه العجم الطماطمة. » فأتى النعمان، فدخل إليه، وأخبره أن ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه.
فنادى النعمان بالرحيل وعبّأهم، وجعل على المجرّدة القعقاع بن عمرو، وكذلك جعل على ميمنته وميسرته ومقدمته أهل النجدات.
-
إرسال المغيرة بن شعبة إلى الفرس
فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم الفرس أن: أرسلوا رجلا نكلّمه. فأرسلوا المغيرة بن شعبة.
فلما رجع سألوه عما جرى.
فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه: « بأى شيء تأذنون لهذا العربيّ، بالشارة والبهجة أو بتقشّف له؟ » فاجتمع رأيهم على أفضل ما يكون من الشارة والعدّة. فتهيّأوا بها. فلمّا أتيناهم كادت تلك الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، وإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب، على رأسه التاج.
قال: فمضيت كما أنا، ونكّست رأسى. فدفعت، ونهيت.
فقلت: « الرسل لا يفعل بهم هذا! » فقالوا: « إنّما أنت كلب. » فقلت: « معاذ الله، لأنا في قومي أشرف من في قومه ».
فانتهرونى وقالوا: « اجلس! ». فأجلسوني، ثم قال - وترجم لي قوله -:
« إنّكم معشر العرب أبعد الناس من كلّ خير، أطول الناس جوعا، وأشقاهم شقاء، وأقذرهم قذرا، وأبعدهم دارا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم من النشاب بمثل شوك القنفذ، إلّا تنجّسا لجيفكم، فإنّكم أرجاس. فإن تذهبوا نخلّ عنكم، وإن تأبوا، نركم مصارعكم. »
قال: فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت:
« والله، ما أخطأت من صفتنا شيئا. إن كنّا لكذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنّة في الآخرة. فوالله ما زلنا نتعرّف من ربّنا، منذ جاء رسوله، الفتح والنصر حتى أتيناكم. وإنّا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا، حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم. » فقال: « والله لقد صدقكم الأعور ما في نفسه. »
فقمت وقد أرعبت العلج. فأرسل إلينا العلج:
« إمّا أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. »
فقال النعمان: « اعبروا ».
وكانوا قد انتهوا إلى الإسبيذهان وهم وقوف دون وادي خرد على تعبيتهم، وأمرهم إلى الفيرزان، وقد جعل بهمن جاذويه مكان ذي الحاجب، فهو على مجنبته، وقد توافى إليه كلّ من غاب عن القادسية والأيّام من أهل الثغور، وأمرائها، وأعلامهم. وأنشب النعمان بعد ما حطّ الأثقال وضرب الفسطاط القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس وهم كأنّهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألّا يفرّوا من العرب وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا: من فرّ منّا عقره حسك الحديد.
فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: « لم أر كاليوم فشلا، إن عدوّنا يتركون يتأهّبون لا يعجلون، أم والله لو أنّ الأمر إليّ لأعجلتهم ».
وكان النعمان رجلا ليّنا، فقال: « قد كان الله يشهدك أمثالها، فلا يخزيك. إنّه والله ما منعني من المناجزة إلّا شيء شهدته من رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png إذا غزا فلم يقاتل أول النهار، ولم يعجل حتى تحضر الصلاة وتهبّ الأرواح ويطيب القتال، فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألك أن تقرّ عيني بفتح يكون فيه عزّ الإسلام وذلّ الكفار، ثم اقبضنى إليك على الشهادة. ائمنوا يرحمكم الله. »
فأمنّا وبكينا. ثم أقدم بعد الصلاة للقتال.
قال: ولمّا كان يوم الجمعة انجحروا في خنادقهم، وذلك لما رأوا صبرنا أنّا لا نبرح العرصة فصبروا معنا. ثم إنّهم لم يصبروا، فحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. فاشتدّ ذلك على المسلمين حدّا، وخافوا أن يطول أمرهم.
ذكر آراء صح أحدها على طريق المكيدة
حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع، تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلّموا، وأتوا النعمان، وقالوا: « نراهم بالخيار والقوّة ».
وهو يروّى فيما روّوا فيه. فقال: « على رسلكم، لا تبرحوا ».
وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلّم النعمان فقال:
« قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنّهم لا يخرجون إلّا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وابتعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق الذي هم فيه وعليه من الخروج. فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل؟ »
فتكلّم عمرو بن أبي سلمى وكان أسنّ القوم، فقال: « التحصّن أشدّ عليهم من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم. »
فردّوا جميعا رأيه، وقالوا: « إنّا على يقين من إنجاز ربّنا وعده لنا. »
وتكلّم عمرو بن معدى كرب، فقال: « ناهدهم ولا تخف وكاثرهم. »
فردّوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: « إنما نناطح الجدران. »
-
ذكر آراء صح أحدها على طريق المكيدة
حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع، تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلّموا، وأتوا النعمان، وقالوا: « نراهم بالخيار والقوّة ».
وهو يروّى فيما روّوا فيه. فقال: « على رسلكم، لا تبرحوا ».
وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلّم النعمان فقال:
« قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنّهم لا يخرجون إلّا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وابتعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق الذي هم فيه وعليه من الخروج. فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل؟ »
فتكلّم عمرو بن أبي سلمى وكان أسنّ القوم، فقال: « التحصّن أشدّ عليهم من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم. »
فردّوا جميعا رأيه، وقالوا: « إنّا على يقين من إنجاز ربّنا وعده لنا. »
وتكلّم عمرو بن معدى كرب، فقال: « ناهدهم ولا تخف وكاثرهم. »
فردّوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: « إنما نناطح الجدران. »
وتكلّم طليحة فقال: « قد قالا ولم يصيبا تفسير ما أرادا. فأمّا أنا فأرى أن تبعث خيلا مؤدية فيحدقوا بهم، ثم يرموهم لينشبوا القتال ويحمشوهم، فإذا استحمشوهم واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادا، فإنّا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم إلى اليوم، فإنّهم إذا أرادوا ذلك طمعوا في هزيمتنا ولم يشكّوا فيها، وخرجوا، فجادّونا، وجاددناهم حتى يقضى الله بيننا. »
فأمر النعمان بن عمرو، وكان على المجرّدة بذلك، ففعل، وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، وأنغضهم. فلمّا خرجوا نكص، ثم نكص، واغتنمها العجم. ففعلوا كما ظنّ طليحة، وقالوا: « هي، هي ». فخرجوا، فلم يبق أحد إلّا من يقوم لهم على الأبواب، وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس وانقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع والنعمان بن مقرّن والمسلمون على تعبئتهم.
وفي يوم جمعة وفي صدر النهار، وقد عهد النعمان عهده وقال: إن أصبت ففلان، فإن أصيب ففلان. وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم.
ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمى، وجعل المشركون يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض ثم قالوا للنعمان: « ألا ترى ما نحن فيه؟ ائذن لنا في الحملة. » فقال لهم النعمان: « رويدا رويدا. » قالوا ذلك مرارا، فأجابهم بمثل ذلك.
فقال المغيرة: « لو إليّ هذا الأمر، علمت ما أصنع. » فقال: رويدا، ترى أمرك وقد كنت تلى الأمر فتحسن، فلا يخذلنا الله ولا إيّاك، ونحن نرجو في المكث مثل ما ترجو في الحثّ. » وانتظر النعمان أحبّ الأوقات كان إلى رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png.
فلمّا كان قريبا من تلك الساعة وهي الزوال، سار فوقف على الرايات، ومدحهم، وحضّهم. ثم عاد إلى موقفه، وكبّر الأولى والثانية والثالثة والناس على غاية السمع والطاعة. وحمل النعمان والناس معه، فالتقوا بالسيوف، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة قطّ كانت أشدّ منها، لا يوم القادسية لا غيرها مما تقدّم، قتلوا فيها من الفرس فيما بين الزوال والإعتام ما طبّق أرض المعركة وما يزلق فيه الناس والدواب، وزلق بالنعمان فرسه وصرع، فأصيب.
وتناول الراية أخوه نعيم بن مقرّن، وسجّى النعمان بثوب، وأتى حذيفة بالراية، وكان عهد إليه بعده، فأقام اللواء. وقال المغيرة: « اكتموا مصاب أميركم حتى تنظروا ما يصنع الله فينا لكيلا يهن الناس، واقتتلوا. » فلما أظلم الليل انكشف المشركون، وتركوا قصدهم، وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان. فوقعوا فيه، وجعل لا يهوى فيه أحد إلّا قال:
« واى خرد »، فسمّى بذلك « وايه خرد » إلى اليوم. فمات فيه منهم نحو مائة ألف، وقتل في المعركة أعدادهم، ولم يفلت إلّا الشريد. ونجا الفيرزان من الصرعى في المعركة، فهرب نحو همذان في ذلك الشريد، فاتّبعه نعيم بن مقرّن، وقدّم القعقاع قدّامه، فأدركه حين انتهى إلى ثنية همذان، وكانت الثنية مشحونة من بغال وحمير موقّرة عسلا، فحبسته الدوابّ على أجله. فلما غشيه القعقاع وهو لا يجد طريقا فتوقّل في الجبل، وتوقّل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفلّال حتى انتهوا إلى مدينه همذان والخيل في آثارهم، فدخلوها. وسمّيت الثنية: ثنية العسل، وقال المسلمون: « إنّ لله جنودا من عسل. » واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال.
دخول نهاوند
ودخل المسلمون بعد هزيمة الفرس نهاوند، واحتووا على ما فيها، وجمعوا الأسلاب إلى صاحب الأقباض السائب الأقرع. فبيناهم كذلك، أقبل الهربذ صاحب بيت النار على إتان، فأبلغ حذيفة؟ فقال: « أتؤمننى على أن أخبرك بما أعلم؟ » قال: « نعم! » فقال: « إنّ النخيرجان وضع عندي ذخيرة كسرى، وأنا مخرجها لك على أمانى وأمان من شئت. »
سفطان ملؤهما اليواقيت واللؤلؤ
فأعطاه ذلك، وأخرج له الذخيرة سفطين عظيمين ليس فيهما إلّا اليواقيت واللؤلؤ. فلمّا فرغ السائب من قسمة الأموال اجتمع رأى المسلمين على دفعهما إلى عمر.
قال السائب: فأصاب سهم الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان. فلمّا فرغت قدمت على عمر ومعي السفطان، فقال: « ما وراءك يا سائب! » فقلت: « خير، يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك - فأعظم الفتح - واستشهد النعمان بن مقرّن. » فقال عمر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ثم بكى فنشج حتى إني لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده ».
قال: فلمّا رأيت ما لقي قلت: « يا أمير المؤمنين، ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه. » فقال: « المستضعفون من المؤمنين، لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم، وأنسابهم، وما يصنعون بمعرفة ابن أمّ عمر. » ثم قام ليدخل، فقلت: « إنّ معي مالا عظيما جئت به. » ثم أخبرته الخبر عن السفطين، فقال: « أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك. » قال: فأدخلتهما بيت المال، وخرجت سريعا إلى الكوفة، وبات تلك الليلة التي خرجت فيها. فلما أصبح بعث أثرى رسولا، فوالله ما أدركنى حتى دخلت الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عرقوبى بعيري، وقال: « الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك ولم أقدر عليك إلّا الآن. » قال: قلت: « ويلك! ولما ذا؟ » قال: « لا أدري والله. » فركبت معه حتى قدمت عليه. فلما رآني قال: « ما لي ولابن أمّ السائب، بل ما لابن السائب وما لي! » قال: قلت: « وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ » قال: « ويحك! والله، إن هو إلّا نمت في تلك الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة الله تسحبنى إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا، يقولون: لنكوينّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني لا أبا لك، فالحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. » قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني [ التجار ] فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعها بأربعة آلاف ألف درهم.
فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد.
-
وقسم حذيفة لأهل المسالح جميعا في نهاوند، مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنّهم كانوا ردءا للمسلمين لئلّا يؤتوا من وجه من الوجوه، وكان خلّف قوما على قلاع يحاصرون من فيها لئلّا ينزلوا فيؤتى المسلمون من قبلهم، فقسم لهم أيضا.
وسمّى يوم نهاوند فتح الفتوح ولم تكن للفرس بعد قائمة.
ومن عجيب ما مرّ في حصار نهاوند أنّ رجلا يقال له: جعفر بن راشد، قال لطليحة: « لقد أخذتنا خلّة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ » فقال: « كما أنتم، حتى أنظر. » فأخذ كساء، فتقنّع به غير كثير، ثم قال: « البيان، البيان، غنم الدقّان في البستان، مكان أرونان. » فدخلوا البستان، فوجدوا الغنم مسمنة.
ثم جاء دينار إلى حذيفة، فصالحه عن ماه، فنسب إليه ماه. فكان يوافى الكوفة كل سنة. فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس جميعا، فقال: « يا معشر أهل الكوفة، إنّكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فغبرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خلال أربع: بخل، وخبّ، وغدر، وضيق، لم تكن فيكم واحدة منهنّ. فنظرت في ذلك، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمت من أين أتى، فإذا الخبّ من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز. »
فتح الري
ثم إنّ نعيم بن مقرّن فتح همذان، وسار إلى الريّ، وكان بالريّ يومئذ سياوخش ملكا عليها وهو سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين.
[ فاستمدّ ] أهل دنباوند، وطبرستان، وقومس، وجرجان، وقال: « قد علمتم أنّ هؤلاء إن حلّوا بالريّ إنّه لا مقام لكم. » فاحتشدوا له. فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الريّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به. وكان الزينبي متوحّشا من سياوخش، فكاتب نعيم بن مقرّن، وصالحه وعاونه، وكان الزينبي قال لنعيم: « إنّ القوم كثير وأنت في قلّة، فابعث معي رجلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنّهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لذلك. » فبعث معه خيلا من الليل عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو. فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم، وبيّتهم نعيم بياتا، فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا، وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم. ثم إنّهم انهزموا فقتلوا مقتلة عظيمة، فأفاء الله على المسلمين بالريّ نحوا من فيء المدائن، وصالحه الزينبي على أهل الريّ ومرزبه عليهم. وكتب نعيم بالفتح وبعث بالأخماس إلى عمر.
توجه بكير إلى آذربيجان
وكان بكير بن عبد الله قد توجه إلى آذربيجان، فأمدّه نعيم بعد فتح الريّ بسماك بن خرشة الأنصاري.
مردانشاه يراسل نعيما في الصلح
فأما المصمغان - وهو مردانشاه صاحب دنباوند والخزر والأرز والسرو - فإنّه راسل نعيما في الصلح على شيء يفتدى منه به، من غير أن يسأله النصر والمنعة. فقبل منه، وكتب على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم.
فتح قومس
وقدّم سويد بن مقرّن أخاه بأمر عمر إلى قومس، فلم يقم له أحد، وأخذها سلما، وكتب لهم أمانا، وقبل جزيتهم.
فتح جرجان وطبرستان وآذربيجان
ثم كاتب ملك جرجان رزبان صول. ثم صار إليها، فبادره بالصلح، وتلقّاه، فدخل معه جرجان، وعسكر بها، وجبى إليه الخراج، وسمّى له فروجها، فسدّها بترك دهستان. فرفع الجزى عمن أقام بمنعتها، وأخذ الخراج من باقى أهلها، وكتب بينهم كتابا بالأمان وقبول الجزية ما نصحوا وقروا المسلمين، وعلى أنّ من سبّ مسلما بلغ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. وراسله الإصبهبذ في الصلح أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد. فكتب له بذلك كتابا على ألّا يؤووا للمسلمين بغية، ولا يسلّوا لهم إلى عدوّ، ولا يدخل عليه إلّا بإذنه، وكذلك سبيلهم.
وكان بكير سار حين بعث إلى آذربيجان حتى إذا طلع بجبال خرشدان طلع عليهم اسفندياذ بن الفرّخزاذ مهزوما من واج رود. فكان أول قتاله لقيه بآذربيجان، فاقتتلوا، فهزمه، وأخذ بكير اسفندياذ أسيرا.
فقال له اسفندياذ: « الصلح على آذربيجان أحبّ إليك أم الحرب؟ » قال: « بل الصلح. » قال: « فأمسكنى عندك. فإنّ أهل آذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ لم يقيموا، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم. ومن كان على التحصن تحصّن إلى يوم ما. » فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن.
وقدم عليه سماك بن خرشة، وقد صار اسفندياذ في إساره. وفتح عتبة بن فرقد من جهته ما يليه.
فقال بكير لسماك بن خرشة كالممازح: « ما الذي أصنع بك وبعتبة؟ أريد أن أمضى قدما فأخلّفكما، فإن شئت فاذهب معي، وإن شئت أتيت عتبة، فقد أذنت لك. » وكاتب عمر في ذلك. فكتب إليه في الإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله. فاستخلف عتبة على ما افتتح. ومضى قدما، وقدّم إسفندياذ إلى عتبة، وأقرّ عتبة سماك بن خرشة، وليس بأبي دجانة، على عمل بكير الذي كان افتتح.
وجمع عمر آذربيجان كلّها لعتبة، وقد كان بهرام بن الفرّخان أخذ بطريق عتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فهزمه عتبة وهرب بهرام.
فلما بلغ خبر هزيمته إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال: « الآن تمّ الصلح وطفئت الحرب وعادت آذربيجان سلما. » فبعث بالأخماس. وكان بكير سبق عتبة بفتح ما ولى، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام. فكتب عتبة بينه وبين أهل آذربيجان كتابا - حيث جمع له عمر بكير إلى عمله - بالأمان وشروط الجزية وقرى المسلمين وغير ذلك.
-
فتح الباب والفتوح التي كانت بعده
وأنفذ عمر سراقة بن عمرو - وكان يكنّى ذا النون - إلى الباب وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة، وسمى لإحدى مجنّبتيه حذيفة بن أسد، وسمى للأخرى بكير بن عبيد الله الليثي، وهو الذي كان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه. فلمّا قدم سراقة قدّم بكيرا في أدانى الباب، فدخل بكير بلاد الباب والملك يومئذ شهربراز الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى الشام منهم.
فكاتب عبد الرحمن شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه. ففعل، فأتاه، فقال له:
« إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من الأرمن في شيء ولا من القبق، وإنّكم قد غلبتم على بلادي وأمّتى، وأنا اليوم منكم، ويدي مع أيديكم، وصفوي معكم، وجزيتنا إليكم، والنصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم. »
فقال عبد الرحمن: « فوقى أمير قد أظلّك، فسر إليه. » فجوّزه فسار إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك.
فقال سراقة: « قد قبلت ذلك ممن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزى ممن يقيم ولا ينهض. » فقبل ذلك، وكتب سراقة إلى عمر بن الخطّاب بذلك، فأجازه، وحسّنه، وصارت سنّة فيمن يحارب العدو من المشركين وفيمن لم يكن عنده الجزى أن يستنفروا، ثم يوضع عنهم جزى تلك السنة.
ووجّه سراقة بعد ذلك بكير بن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسد، وسلمان بن ربيعة إلى الجبال المطيفة بأرمينية، ووجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللّان، وسلمان إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبمن وجّه من هؤلاء النفر. فأتى عمر بن الخطّاب أمر لم يكن يرى انّه يستمر بتلك السرعة بغير مؤونة. فلما استوسق الأمر بتلك الناحية واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة.
فأقرّ عمر عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو الترك. فخرج عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب.
فقال له شهربراز: « ما تريد أن [ تصنع ]؟ » قال: « أريد بلنجر. » قال: إنّا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. »
قال: « لكنّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم. والله إنّ معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. » قال: « وما هم؟ » قال: « قوم صحبوا رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائما لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم أمر، أو يلفتوا عن حالهم بمن يغيّرهم. » فغزا بلنجر - غزاه في زمن عمر - لم تئم فيها امرأة، ولا يتم فيها صبيّ. وبلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم أيضا، وغزا [ غزوات ] في زمن عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان، لما استعمل من كان ارتدّ واستعان بهم، فساد من طلب الدنيا، وعضّلوا بعثمان حتى كان يتمثل:
وكنت وعمرا كالمسمّن كلبه ** فخدّشه أنيابه وأظافره
وكان عبد الرحمن بن ربيعة لما غزا الترك، قالوا:
« ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعهم الملائكة يمنعهم من الموت ».
فتحصّنوا منه، وهربوا. فرجع بالغنم.
فلمّا كان بعد ذلك غزا تلك الغزوات الأخر على تلك العادة، حتى إذا كان في زمن عثمان بعد السنين الستّ منه، غزا غزوة. وكان من الترك طائفة في الغياض مختفين، فرمى رجل منهم مسلما على غرّة، فقتله وهرب عنه أصحابه، فتجاسروا بعد ذلك وتنادوا.
فأمّا عبد الرحمن فقتل، واشتدّ القتال، وأخذ الراية سلمان بن ربيعة، وخرج بالناس على جيلان إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها، ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن.
ما جرى بين يزدجرد وآبان جاذويه في الري
ولما انتهى يزدجرد في مسيره بعد جلولاء إلى الريّ كان عليها آبان جاذويه، فوثب عليه، فأخذه فقال: « يا آبان جاذويه، تغدر بي؟ » قال: « ولكنّك تركت ملكك وصار في يد غيرك وأريد أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردت من غير ذلك. » وأخذ خاتم يزدجرد وكتب الصكاك على الأدم، وسجّل السجلّات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها، وردّ الخاتم. ثم أتى بعد سعدا فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. واستوحش يزدجرد من آبان وكرهه. فخرج هاربا إلى أصبهان ومعه النار، وأراد كرمان. ثم عزم على خراسان ليستمدّ الترك والصين وهو قريب منهم. فأتى مرو، فنزلها، وبنى للنار بيتا، واطمأنّ في نفسه.
غزو خراسان وهزيمة يزدجرد في بلخ
وخرج عبد الله بن عامر من البصرة في هذه السنة، وهي سنة إحدى وثلاثين، غازيا إلى خراسان. ففتح نيسابور وطوس ونسّا، حتى بلغ سرخس، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس. فلقيه الهياطلة، وهم أهل هراة، فهزمهم الأحنف، فبعثه ابن عامر إلى طخارستان. فلمّا دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ، فنزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد إلى خاقان من مرو الروذ يستمدّه، وكتب إلى ملك الصغد يستمدّه. فخرج رسوله إليهما، وكتب إلى ملك الصين يستعينه.
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليه بعد ما لحقته الأمداد من أهل الكوفة قاصدا مرو الروذ. فلمّا بلغ مسيره يزدجرد خرج إلى بلخ.
ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة، فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزم يزدجرد، وتوجّه في أهل فارس إلى النهر، فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتحوا بلخ، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ.
وكتب عمر إلى الأحنف:
« أمّا بعد، فلا تجوزوا النهر، واقتصروا على ما دونه. » وبلغ رسولا يزدجرد خاقان وعارك، فلم يستتبّ لهم إنجاده، حتى عبر إليهم النهر مهزوما. فأنجده خاقان، فأقبل في الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد، حتى خرج بهم راجعا إلى خراسان. فعبر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ، إلى الأحنف.
-
ذكر رأي صحيح في وقت شدة
فاستشار الأحنف المسلمين. فاختلفوا، فبين قائل يقول: « نرجع إلى أبرشهر »، وقائل يقول: « نقيم ونستمدّ. » وقائل يقول: « نناجزهم. »
وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف مرو الرّوذ. وكان الأحنف حين بلغه عبور خاقان نهر بلخ غازيا له، خرج في عسكره ليلا يتسمّع: هل يسمع برأى ينتفع به؟ فلمّا خرج مرّ برجلين ينقّيان علفا، إمّا تبنا، وإمّا شعيرا، وأحدهما يقول لصاحبه: « الرأي للأمير أن يلقى العدوّ حيث لقيهم أوّلا، فإنّه أرعب لهم. » فقال له صاحبه: « أخطأت الرأي، إن لقي العدوّ مصحرا في بلادهم لقي جمعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا. ولكنّ الرأي للأمير أن يسندنا إلى هذا الجبل، ليكون النهر بيننا وبين عدونا خندقا، وكان الجبل في ظهورنا، نأمن أن نؤتى من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد، [ و ] رجونا أن ينصرنا الله. » فرجع، واجتزأ بها. وذلك في ليلة مظلمة. فلما أصبح جمع الناس، ثم قال: « إنكم قليل، وعدوّكم كثير، فلا يهولنّكم: ف كَمْ من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله، وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ. ارتحلوا من مكانكم، فاستندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم، وقاتلوه من وجه واحد. » ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم في عشرة آلاف من أهل البصرة، وأهل الكوفة نحو منهم. وأقبلت الترك ومن اجتلبت من الصغد وغيرهم حتى نزلوا بهم. فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحّون عنهم بالليل ما شاء الله.
وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل. فخرج ليلة بعد ما علم علمهم طليعة لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان، فوقف. فلما كان في وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه، وضرب بطبله، ووقف من العسكر موقفا يقفه مثله.
فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين سبقه الأحنف، فقتله. قال الأحنف: فارتجزت:
إنّ على الرئيس حقّا حقّا ** أن يخضب الصعدة أو تندقّا
ثم وقف موقف التركي، وأخذ طوقه، وخرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف، فقتله. ثم وقف موقف التركيّ الثاني. قال الأحنف: فارتجزت:
إنّ الرئيس يرتبى ويطلع ** ويمنع الحلاء إمّا أربعوا
وأخذ طوق التركيّ، ثم خرج ثالث، ففعل فعل الرجلين، ووقف دون الثاني منهما، فحمل عليه الأحنف، فقتله، قال: وارتجزت:
جرى الشموس ناجزا بناجز ** محتفل في جريه مشارز
ثم انصرف إلى عسكره ولا يعلم بذلك أحد. وكان من شيمة الترك أنّهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من كبرائهم وفرسانهم يضربون بالطبول، ثم يخرجون بعد خروج الثالث. فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث على فرسانهم مقتّلين. فتشاءموا، وتشاءم خاقان وتطيّر وقال: « قد طال مقامنا وأصيب هؤلاء القوم بمكان لم يصب بمثله أحد منّا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، انصرفوا بنا. » فكان وجوههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا. وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ، وقد كان يزدجرد ترك خاقان بمرو الروذ، وخرج إلى مرو الشاهجان فتحصّن منه حارثة بن النعمان خليفة الأحنف، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان ببلخ ينتظره مقيم له.
فقال المسلمون: « نحن نتبع خاقان. » فقال: « بل أقيموا مكانكم. » ولما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو وأعجل عنه، وأراد أن يستقلّ منها، حاول أمرا عظيما من خزائن أهل فارس، وكان أراد اللحاق بخاقان.
فقال أهل فارس: « ما تريد أن تصنع؟ » قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين. » فقالوا له: « مهلا، فإنّ هذا رأى سوء. إنّك إنّما تأتى قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك، ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم، فإنّهم أوفياء وأهل دين، وهم يلون بلادنا، وإنّ عدوّا يلينا في بلادنا أحبّ إلينا من عدوّ يلينا في بلاده، ولا دين لهم، فلا ندري ما وفاءهم. » فأبى عليهم، فأبوا عليه. قالوا: « فدع خزائننا نردّها إلى بلادنا ومن يليها، لا تخرجها من بلادنا إلى غيرها. » فأبى. فقالوا: « فإنّا لا ندعك. » فاعتزلوا وتركوه في حاشيته. ثم اقتتلوا، فهزموه، وأخذوا الخزائن واستولوا عليها، ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر. فاعترضهم المسلمون والمشركون بمرو، فقاتلوه، وأصابوه في آخر القوم، وأعجلوه عن الأثقال ومضى حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك، فلم يزل مقيما زمان عمر كلّه يكاتبهم ويكاتبونه إلى زمان عثمان.
فأقبل أهل فارس إلى الأحنف، فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة.
فكانوا كأنّهم في ملكهم. إلّا أنّ المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم.
وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية.
ولما سمع خاقان ما لقي يزدجرد وخروج المسلمين مع الأحنف من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ وعبر النهر، وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ، وأنزل أهل الكوفة في كورها الأربع، ثم رجع إلى مرو الروذ، فنزل بها، وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس. ووفد الوفود إليه.
حوار بين خاقان ورسول يزدجرد
ولما عبر خاقان النهر، وعبر معه حاشية آل كسرى مع يزدجرد لقوا رسول يزدجرد الذي كان نفذ إلى ملك الصين، فسألوه عما وراءه.
فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون. - وأراهم هديته وجوابه عن كتاب يزدجرد إليه - قال لي:
« قد علمت أنّ حقّا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإني أراك، تذكر قلّة منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف [ منكم ] معما أسمع من كثرتكم إلّا بخير عندهم وشرّ فيكم. » فقلت: « سلني عما أحببت أخبرك. » قال: « أيوفون بالعهد؟ » قلت: « نعم. » قال: « وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ » قلت: « يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة. » قال: « فكيف طاعتهم أمراءهم؟ » قلت: « أطوع قوم لمرشدهم. » قال: « فما يحرّمون وما يحلّون؟ » فأخبرته.
قال: « أفيحلّون ما حرّم عليهم، أو يحرّمون ما حلّل لهم؟ » قلت: « لا. » قال: « فإنّ هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يبدّلوا. » ثم قال: « أخبرني عن لباسهم ». فأخبرته، « وعن مطاياهم » فقلت: « الخيل العراب. » ووصفتها.
فقال: « نعمت الحصون هذه. » ووصفت له الإبل وبروكها وانبعاثها بحملها.
فقال: « هذه صفة دوابّ طوال الأعناق. » وكتب معه إلى يزدجرد:
« إنّه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوّله بمرو، وآخره بالصين، الجهالة بما يحق عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم، لو يحاولون الجبال لهدّوها، ولو خلّى سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة، ولا تهجهم ما لم يهيجوك. »
وأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة معهم عهد بخاقان. ثم جرى ما جرى من قبل عمر، رضي الله عنه.
ذكر كتاب عمر وجمل من سياسته
كان يكتب لعمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة، وأبو حبيرة بن الضحّاك الأنصاري على ديوان الكوفة. فأمّا زيد بن ثابت فإنّه كان كاتب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فكان يخلو به عمر. فقال له يوما: « إني استصحبتك لكتب أسرارى الذي رأيت رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png يفعله بك. فأخبرني عن كتبه كيف كانت إلى الملوك وغيرهم. » فقال زيد: « اعفني يا أمير المؤمنين. » فقال له: « ممّ ذاك؟ » قال زيد: « إنّ رسول الله (ص) قال لي: يا زيد! إني انتخبتك، فاحفظ أسرارى، واكتم ما استحفظتك. فضمنت له ذلك. » فأمسك عمر عن معاودته، لكن كان يملى عليه ويستعين برأيه. وكان زيد ذا رأى ونفاذ.
وكان عمر يقول لكتّابه ويكتب إلى عمّاله: « إنّ القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنّكم إذا فعلتم ذلك تداكّت الأعمال عليكم، فلا تدرون بأيّها تبدأون، وأيّها تؤخّرون. »
-
تدوينه الدواوين
وكان عمر أول من دوّن الدواوين من العرب. وكان سبب ذلك أنّ أبا هريرة قدم عليه من البحرين ومعه مال، فلقى عمر. فقال له عمر: « ما ذا جبيت؟ » قال: « خمسمائة ألف درهم. » فقال عمر: « أتدرى ما تقول؟ » قال: « نعم، مائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف. » فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « أيّها الناس، قد جاء مال عظيم، فإن شئتم كلنا كيلا، وإن شئتم أن يعدّ عددنا. » فقام رجل فقال: « يا أمير المؤمنين، هؤلاء الأعاجم يضبطون هذا بالديوان. » قال: « فدوّنوا الدواوين. » وكان عمر بعث بعثا بعد أن آمن الفيرزان وحضره فقال: « يا أمير المؤمنين، هذا البعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلّف منهم رجل وأخلّ بمكانه ما يدرى صاحبك به؟ » وأشار عليه بالديوان وفسّره له، فوضع عمر الديوان.
وكان أبو موسى الأشعري كتب إلى عمر رضي الله عنه:
« انّ المال كثر وكثر من يأخذه، فلسنا نحصيه إلّا بالأعاجم، فاكتب إلينا برأيك. » فكتب إليه عمر: « لا تعدهم في شيء سلبهم الله إياه، أنزلوهم حيث أنزلهم الله وتعلّموا. »
فاستكتب أبو موسى زيادا، وكتب عمر إلى أبي موسى يستقدمه. فاستخلف زياد عمران بن حصين وقدم عليه. فقال عمر: « لئن كان أبو موسى استخلف حدثا لقد استخلف الحدث كهلا. » ثم دعا بزياد وقال: « أكتب إلى خليفتك بما يجب أن يعمل به. » فكتب إليه كتابا ودفعه إلى عمر، فنظر فيه، ثم قال: « أعد »، فكتب غيره، ثم قال: « أعد »، فكتب الثالث.
فقال عمر بعد ذلك: « لقد بلغ ما أردت في الكتاب الأول، ولكني ظننت أنّه قد روّى فيه، ثم بلغ في الثاني ما أردت، فكرهت أن أعلمه ذلك لئلّا يدخله العجب، فوضعت منه لئلّا يهلك ».
وكان عمر يملي على كاتب بين يديه وزياد حاضر. فكتب الكاتب غير ما قال عمر.
فقال له زياد: « يا أمير المؤمنين، إنه يكتب غير ما قلت له. » فقال عمر: « أنّى علمت هذا. » فقال: « رأيت رجع فيك وخطّه، فرأيت ما أجارت كفه غير ما رجعت به شفتيك. » فاستحسنه عمر.
ثم قال له يوما: « يا زياد، هل أنت حامل كتابي إلى أبي موسى في عزلك عن كتابته؟ » قال: « نعم، يا أمير المؤمنين. ولكن أعن عجز أم خيانة؟ » قال: « لا عن واحد منهما، ولكني أكره أن أحمل فضل عقلك على الرعيّة. »
وضعه التأريخ
وكان عمر أول من كتب التاريخ من الهجرة، لأنّ أبا موسى كتب إليه أنه: « تأتينا منك كتب ليس فيها تاريخ. » - وكانت العرب تؤرّخ بعام الفيل. فجمع عمر الناس للمشهورة.
فأشار بعضهم: أن يؤرّخ بمبعث النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png.
وقال بعضهم: « بمهاجرته. ».. فأرّخ به. وكان ذلك في سنة سبع عشرة، أو ثماني عشر من الهجرة.
ثم قالوا: « بأيّ الشهور نبدأ؟ » فقال بعضهم: « بشهر رمضان. » فقال عمر: « بل بالمحرّم، فهو منصرف الناس من حجّهم، وهو شهر حرام. » فأجمعوا على المحرّم.
ودخل كاتب لعمرو بن العاص على عمر، فحاوره فأحسن الكلام، فقال عمر: « ألست ابن القين بمكة؟ » فقال: بلى.
فقال عمر: « لا يلبث القلم، أو يبلغ بصاحبه. » وكان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار واشترط عليه ألّا يركب برذونا، ولا يأكل ما لا يقدر عليه أوساط رعيّته، ولا يلبس رقيقا، ولا يتّخذ بابا دون حاجات الناس.
أنتم المؤمنون وأنا أميركم
وهو أول من خوطب ب « أمير المؤمنين » وذاك أنّ أبا بكر خوطب ب « خليفة رسول الله » http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فلما خلف عمر خوطب ب « خليفة خليفة رسول الله ». قال عمر: « أمر يطول. إذا جاء خليفة آخر قلتم: « خليفة خليفة خليفة رسول الله، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم ».
وهو أول من جمع الناس على إمام [ يصلّي بهم التراويح ] في شهر رمضان، وكتب به إلى البلدان وأمرهم بذلك، وزاد في مصابيح المساجد.
وهو أول من حمل الدرّة وضرب بها.
فمن ذلك ما رويناه أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أتي بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه. فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرّة، وقال: « إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض. فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك. »
ورأت الشفاء بنت عبد الله قوما يقصدون في المشي، ويتكلّمون رويدا. فقالت: « ما هذا؟ » قالوا: « نسّاك. » فقالت: « كان والله عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع. هو والله الناسك حقّا. »
وذكر قوم رجلا بين يدي عمر، ووصفوه وقالوا: « هو فاضل لا يعرف الشرّ. » قال: « أجدر له أن يقع فيه. »
واستعمل عمر عتبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم عليه بمال. فقال عمر: « ما هذا يا عتبة؟ » قال: « هذا مال خرجت به معي فتجرت فيه. » قال: « وما لك تخرج المال معك في هذا الوجه، فصيّره في بيت المال. » فلمّا ولى عثمان قال لأبي سفيان: « إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليك. » فقال أبو سفيان: إنّك إن خالفت صاحبك الذي تقدّمك ساء رأي الناس فيك، إياك أن تردّ على من قبلك فيردّ عليك من يجيء بعدك.
كان معجبا بسياسات ملوك العجم
وكان عمر يكثر الخلوة بقوم من الفرس يقرأون عليه سياسات الملوك وسيّما ملوك العجم الفضلاء، وسيّما أنوشروان، فإنّه كان معجبا بها، كثير الاقتداء بها. وكان أنوشروان مقتديا بسيرة أردشير آخذا نفسه بها، وبعهده الذي كتبناه فيما مضى، مطالبا به غيره. وكان أردشير متبعا لبهمن وكورس، مقتديا بهما. فهؤلاء جلّة ملوك الفرس وفضلاؤهم الذين ينبغي أن يقتدى بأفعالهم وسيرهم وتتعلّم سياساتهم ويتشبّه بهم.
وروينا عن عمران بن سوادة أنه قال: دخلت على عمر، فذكرت أشياء مما عابه بها الناس فأصغى إليّ: وضع رأس درّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه يستمع إلى ما أقول، إلى أن قلت: « وإنّ الرعيّة يشكون منك عنف السياق. » فشرع الدرّة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: « أم والله، إني لأرتع فأشبع، وأسقى فأروى، وأنهز العروض وأؤدّب (أؤرب؟ ) قدري، وأزجر اللقوف، وأسوق خطري، وأضمّ الهيوب، وألحق العطوف، وأكثر الزجر، وأقلّ الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد. » فبلغ ذلك معاوية بعد، فقال: « كان والله عالما برعيّته. »
-
خلافة عثمان بن عفان
ذكر ما يجب ذكره من حديث الشورى وما يليق منه بهذا الكتاب
لما قتل عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - قيل له حين طعن: « استخلف. » فأبى أن يسمّى رجلا بعينه وقال: « عليكم هؤلاء الرهط الذين توفّى رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وهو عنهم راض: عليّ، وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن، وسعد خالا رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png والزبير بن العوام حواريّ رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وابن عمّته، وطلحة الخير. فليختاروا رجلا منهم، ويشاوروا ثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتينّ اليوم الثالث إلّا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم. » وقال لأبي طلحة الأنصاري: « إنّ الله تعالى طال ما أعزّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. » وقال لصهيب: « صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليّا، وعثمان، والزبير، وسعدا، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة - إن قدم - وأحضر عبد الله بن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رؤوسهم. فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبي واحد فاشدخ رأسه واضرب رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة فرضوا واحدا وأبي اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضى ثلاثة منهم رجلا واحدا وثلاثة رجلا منهم فحكّموا عبد الله بن عمر، فأيّ الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس. » فخرجوا من عنده، فقال لعليّ قوم كانوا معه من قريش: « ما ترى؟ » فقال عليّ: « إن أطيع فيكم قومكم، لم تؤمّروا أبدا. » وتلقّاه العباس، فقال له عليّ: « عدلت عنّا ». قال: « وما علمك؟ » قال: « قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون: فيولّيها عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعانى، بله أنّى لا أرجو إلّا أحدهما. » فقال العباس: « لم أدفعك في شيء إلّا رجعت إليّ مستأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، ثم أشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر، فأبيت، ثم أشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألّا تدخل معهم، فأبيت. احفظ عني واحدة: كلّما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلّا أن يولّوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به غيرنا، وأيم الله، لا نناله إلّا بشرّ لا ينفع معه خير. » فأجابه عليّ بما سمع بعضه ولم يسمع بعضه، وتمثّل بأبيات. والتفت، فرأى أبا طلحة، فكره مكانه. فقال أبو طلحة: « لم ترع أبالحسن ».
وكان خلع عبد الرحمن نفسه، ورضوا أن يكون هو الذي يختار للمسلمين، وقد كان جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والقوم في البيت يتشاورون، فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما.
ولما كان اليوم الرابع صعد عبد الرحمن المنبر في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ثم قال:
« أيّها الناس، إني قد سألتكم سرّا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد الرجلين: إما عليّ وإما عثمان. فقم إليّ يا عليّ! » فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: « هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه وفعل أبي بكر؟ » قال: « اللهم لا، ولكن على جهدي وطاقتي. » قال: فأرسل يده، ثم نادى: « قم يا عثمان! » فأخذ بيده وهو في موقف عليّ الذي كان فيه، فقال: « هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه وفعل أبي بكر؟ » قال: « اللهم نعم. » فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، ثم قال: « اللهم اسمع واشهد، اللهمّ اسمع واشهد: إني جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. » فازدحم الناس يبايعون عثمان، وكان عبد الرحمن قعد مقعد النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية.
قال: وجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ عليّ، فقال عبد الرحمن: فَمَنْ نَكَثَ، فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمن أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. فرجع عليّ يشقّ الناس حتى بايع عثمان وهو يقول: « خدعة وأيّما خدعة ».
ذكر هذه الخدعة
كان سبب قول عليّ: « خدعة. » أن عمرو بن العاص كان لقي عليّا في ليالي الشورى فقال: « إني أحبّك وأريد نصحك: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد، ومتى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، فلا تظهر كلّ الرغبة، ولا تبذل له من نفسك إلّا الجهد والطاقة، ولا تضمن له كلّ ما يسألك وأوم إلى التواضع. » ثم أتى عثمان، فقال له: « إنّ عبد الرحمن ليس والله يبايعك إلّا بالعزيمة، فاقبل ما يعطيك، وأعطه ما يسألك. » فلذلك قال عليّ: « خدعة. » وقد قيل: إنّ عليّا قال ذلك لأجل ما ذكرناه من اقتران عثمان وعبد الرحمن.
قال: ثم انصرف عثمان إلى بيت فاطمة بنت قيس، والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبا، فقال: « يا أبا محمد، الحمد لله الذي وفّقك. ما كان لنا غير عثمان - وعليّ جالس.
فقال عبد الرحمن: « يا ابن الدبّاغ، ما أنت وذاك، والله ما كنت أبايع أحدا من هؤلاء إلّا قلت فيه هذه المقالة.
وكان أول ما كتبه عثمان إلى أمراء الأجناد في الفروج: « أما بعد، فانّكم حماة المسلمين، وذادتهم، وقد وضع عنكم عمر ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملأ منّا، فلا يبلغنّي عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغيّر الله ما بكم، ويستبدل بكم غيركم. » وكتب إلى عمّال الخراج كتابا يحضّهم فيه على العدل، وكتابا إلى العامّة يأمرهم فيه بالطاعة والاقتداء وترك الابتداع.
-
مقتل يزدجرد وما تم عليه من الاتفاقات الطريفة
إنّ يزدجرد لما وقع إلى أرض فارس بقي سنين. ثم أتى كرمان، فأقام بها مثل ذلك. فطلب إليه دهقان كرمان شيئا، فلم يجبه إليه، فطرده عن بلاده. ثم أجمع أن ينزل خراسان، فأتى سجستان، فأقام بها، ثم سار إلى مرو، ومعه الرهن من أولاد الدهاقين، ومعه من رؤسائهم فرّخزاد.
فلمّا قدم مرو، واستغاث منها الملوك، وكتب إليهم يستمدّهم مثل صاحب الصين، وملك فرغانة، وملك كابل، وملك الخزر، كان الدهقان بمرو ماهويه، وكان له ابن يسمّى نزار، فوكّل ماهويه ابنه نزار بمدينة مرو، وتقدّم إليه وإلى أهل المدينة ألّا يفتحوا الباب ليزدجرد، وقال لهم: « ليس هذا لكم بملك لأنّه قد سلّم بلاده وجاءكم مفلولا مجروحا، ومرو لا تحتمل ما تحتمل غيرها من الكور. فإذا جئتكم غدا فلا تفتحوا الباب. » فلمّا أتاهم فعلوا ذلك.
وانصرف [ فرّخزاذ ]، فجثا بين يدي يزدجرد وقال: « استصعبت عليك مرو، وهذه العرب قد أتتك. » قال: « فما الرأي؟ » قال: « أن تلحق ببلاد الترك، فتقيم بها، حتى يتبيّن لنا أمر العرب. فإنّهم لا يدعون بلدة إلّا دخلوها. » قال: « لست أفعل، ولكن أرجع عودي على بدئي. » فعصاه ولم يقبل رأيه. فسار يزدجرد، [ وأتى نزار دهقان مرو ]، وأجمع على صرف الدهقنة عن ابنه نزار إلى سنجان ابن أخيه.
فبلغ ذلك ماهويه وهو أبو نزار وعمل في هلاك يزدجرد، وكتب إلى نيزك طرخان يخبره أن يزدجرد وقع إليه مفلولا، ودعاه إلى القدوم عليه، ليكون أيديهما معا في أخذه والاستيثاق منه، فيقتلوه، ويصالحوا عليه العرب، وجعل له في كلّ يوم ألف درهم، وسأله أن يكتب إلى يزدجرد مما كرا له لينحّى عامّة جنده، ويحصل في طائفة من خواصّه، فيكون أضعف لركنه وأهون لشوكته، وقال: « تعلمه في كتابك إليه الذي عزمت عليه في مناصحته ومعونته على العرب: أن يشتقّ لك اسما من أهل الدرجات بكتاب مختوم بالذهب، وتعلمه أنك لست قادما عليه حتى تنحّى عنه فرّخزاد. » فكتب نيزك بذلك إلى يزدجرد، فلمّا ورد عليه كتابه بعث إلى عظماء مرو، فاستشارهم.
فقال له سنجان: « لست أرى أن تنحّى عنك أصحابك ولا فرّخزاد لشيء. »
وقال نزار: « بل أرى أن تبايعه يعنى نيزك - وتجيبه إلى ما سأل. » فقبل رأيه، وفرّق عنه جنوده، وأمر فرّخزاد [ أن يأتى ] لأجمة سرخس، فصاح فرّخزاد، وشق جيبه وتناول عمودا بين يديه يريد ضرب نزار به، وقال: « يا قتلة الملوك، قتلتم ملكين، وأظنّكم قاتلي. » هذا، ولم يبرح فرّخزاذ. حتى كتب له يزدجرد كتابا بخطّ يده، نسخته: « هذا كتاب لفرخزاذ: إنك قد أسلمت يزدجرد وأهله وولده وحاشيته وما معه، إلى ماهويه دهقان مرو. » وأشهد عليه بذلك.
فأقبل نيزك إلى موضع من مرو يقال له حلبندان. فلما أجمع يزدجرد على لقائه والمسير إليه، أشار عليه أبو نزار ألّا يلقاه في السلاح فيرتاب به وينفر عنه، ولكن يلقاه بالملاهي والمزامير. ففعل، وسار إليه كذلك، وتقاعس عنه أبو نزار، وكردس نيزك أصحابه كراديس.
فلما تدانيا استقبله نيزك ماشيا ويزدجرد على فرس له. فأمر لنيزك بجنيبة من جنائبه، فركبها، فتوسط عسكره، فتواقفا.
فقال له نيزك في ما يقول: « زوّجنى إحدى بناتك لأناصحك وأقاتل معك عدوّك. » فقال له يزدجرد: « عليّ تجترئ يا كلب! » فعلاه نيزك بمخفقته. وصاح يزدجرد: « غدر الغادر. »
وركض منهزما، ووضع أصحاب نيزك سيوفهم فيهم، فأكثروا القتلى.
يزدجرد والطحان
وانتهى يزدجرد في هزيمته إلى مكان من أرض مرو، فنزل عن فرسه، ودخل بيت طحّان، مكث فيه ثلاثة أيام.
فقال له الطحان: « أيها الشقيّ، اخرج فاطعم شيئا فإنّك جائع منذ ثلاث. » قال: « لست أصل إلى ذلك إلّا بزمزمة. » وكان رجل من زمامة مرو قريبا منه، فأتاه الطحّان، وسأله أن يزمزم عليه ليأكل. ففعل ذلك. فلما انصرف إلى مرو سمع أبا نزار يذكر يزدجرد ويطلبه، فأتاه، فسأله وأصحابه عن حليته. فوصفوه. فأخبرهم أنّه رءاه في بيت طحان وهو رجل جعد مقرون حسن الثنايا مقرّط مسوّر.
فوجه إليه رجلا من الأساورة، وأمره أن يخنقه بوتر ويطرحه في نهر مرو.
فلقوا الطحان، فضربوه ليدلّ عليه، فلم يفعل وجحدهم أن يعرف أين يتوجّه. فلما أرادوا الانصراف عنه، قال رجل منهم: « إني أجد ريح المسك فلو تتبّعته. » فنظر إلى طرف ثوب من ديباج في الماء، فاجتذبه إليه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألّا يقتله ولا يدلّ عليه: ويجعل له خاتمه وسواره ومنطقته.
فقال: « أعطنى أربعة دراهم وأخلّى عنك. » قال: « ويحك! خاتمي لك وثمنه لا يحصى! » فأبى عليه.
قال يزدجرد: « قد كنت أخبرت أنّى سأحتاج إلى أربعة دراهم، وأضطرّ إلى أن يكون أكلى أكل الهرّ، فقد عانيته. » ثم انتزع أحد قرطيه، وأعطاه الطحّان مكافأة لكتمانه عليه، ودنا منه كأنّه يكلّمه بشيء، فأنذر الرجل أصحابه، وأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألّا يقتلوه، وخوّفهم ما عليهم من دينهم من ذاك. وقال: « آتوني الدهقان أو سرّحونى إلى العرب، فإنّهم يستحيون مثلي من الملوك. » فأخذوا ما كان عليه من الحليّ، فجعلوه في جراب، وختموا عليه، ثم خنقوه بوتر، وطرحوه في نهر مرو، فجرى به الماء حتى انتهى إلى فوهة الدريق، فتعلّق بعود، فأخذ من هناك. ثم تفقّد أبو نزار أحد قرطيه، فأخذ الذي دلّ عليه، فضربه حتى أتى على نفسه، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئذ، فأغرم الخليفة الدهقان قيمة القرط المفقود.
-
رواية أخرى في ذلك
وقد حكى في رواية أخرى: أنّ نزار وسنجان كانا متباغضين متحاسدين، وخصّ به نزار فحسده سنجان، فظهر ذلك لنزار، فجعل يوغر صدر يزدجرد ويسعى في قتله، ولم يزل يغرى يزدجرد بسنجان حتى عزم على قتله، وأفشى ما كان عليه عزم من ذلك إلى امرأة من نسائه كان نزار واطأها. فأرسلت إلى نزار تبشّر بإجماع يزدجرد على قتل سنجان، وفشا الحديث وبلغ سنجان.
فجمع جموعا وتوجّه نحو القصر الذي فيه يزدجرد، وبلغ ذلك نزار، فنكص عن سنجان لكثرة جمعه، وأرعب ذلك يزدجرد. فخرج ذاهبا على وجهه راجلا ينجو بنفسه، فمشى نحوا من فرسخين حتى وقع إلى رحى من ماء، فدخل بيت الرحى، فجلس فيه كالّا لغبا، فرآه صاحب الرحى ذا هيئة، وطرّة، وبزّة كريمة. ففرش له وأتاه بطعام. فطعم ومكث عنده يوما وليلة. فسأله صاحب الرحى أن يأمر له بشيء، فبذل له منطقته، وكانت مكلّلة بجوهر. فأبى صاحب الرحى أن يقبلها وقال: « إنما يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم آكل بها وأشرب ».
فأخبره ألّا ورق معه، فتملّقه صاحب الرحى حتى إذا أغفى، قام إليه بفأس، فضرب بها هامته، فقتله، وأخذ ما كان عليه من ثياب وحليّ، وألقى جيفته في النهر وبقر بطنه، فأدخل فيه من أصول طرفاء كانت نابتة على النهر ليحبس جثته في الموضع الذي ألقاها فيه، فلا ينتقل فيعرف ويطلب وما أخذ من سلبه، وهرب على وجهه.
وبلغ قتل يزدجرد رجلا من الأهواز كان مطرانا على مرو يقال له: إيليا، فجمع من كان قبله من النصارى، وقال:
« إنّ ملك الفرس قتل وهو ابن شهريار بن كسرى وإنّما شهريار ولد شيرين المؤمنة التي عرفتم حقّها وإحسانها إلى أهل ملّتها وكانت بنت قيصر. ثم لهذا الملك عنصر في النصرانية مع ما نال النصارى في ملك جدّه من الشرف، حتى بنى لهم البيع، وشدّ ملّتهم، فينبغي أن نجزى هذا الملك بقدر طاقتنا من الكرامة، وقد رأيت أن أبنى له ناووسا وأحمل جثّته في كرامة، حتى أجعلها فيه. »
فقال النصارى: « أمرنا لأمرك تبع. » فأمر المطران، فبنى له في جوف بستانه بمرو ناووس، ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو حتى استخرج جثّة يزدجرد، وكفّنها في تابوت، وحمله ومن كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس، وواروه فيه، وردموا بابه.
وقيل: بل حمله إلى إصطخر فوضع في الناووس هناك. وذلك في سنة إحدى وثلاثين للهجرة.
وكان ملك يزدجرد عشرين سنة منها أربع سنين في دعة وستّ عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إيّاه، ومحنته بهم، وغلظتهم عليه. وكان آخر ملك ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب.
ما جرى في خلافة عثمان مما تستفاد منه تجربة
وقد كنّا ذكرنا ما يجب ذكره من خلافة عثمان - رضي الله عنه - وما تمّ منه على الوجه الذي اقتصصناه.
ثم جرى بعد ذلك مما تستفاد منه تجربة أنّ قوما من المسلمين أنكروا منه أشياء، فكانوا يتذاكرونها بينهم، وذلك بالعراق خاصّة وبالمدينة دون غيرهما. ثم انتشر منهم طائفة في سائر الأعمال ينعون على عثمان أمورا ويشنّعون عليه.
فسيّر عثمان منهم نفرا إلى الشام ليذلّهم بمعاوية، وجرى لهم معه خطب طويل. ثم تكاتبوا بعد ذلك، وجميع ذلك شبيه بالسرّ.
إلى أن شرب الوليد بن عقبة، وهو وال على الكوفة خمرا وشهد عليه به من لم يمكن ردّ شهادته، فاستقدمه عثمان المدينة وجلده الحدّ، وردّ مكانه سعيد بن العاص، فورد سعيد، وأمر بغسل المنبر من مقامه، فكلّمه في ذلك قوم من قريش، فأبى عليهم، وغسل الموضع ودارى الناس، فلم يتمّ له ما أراد، وشغّب عليه الناس.
ثم أجمع رأى الناس على أن يبعثوا إلى عثمان رجلا يكلّمه ويخبره بأحداثه.
فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس التيمي، وكان يعدّ من النسّاك. فأتاه فدخل عليه فقال: « إنّ ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فاتق الله، وتب إليه، وانزع عنها. » فقال عثمان: « انظروا إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ، ثم يجئ فيكلّمنى في المحقّرات ويزعم أنها عظائم، فوالله ما يدرى أين الله. » قال عامر: « أنا لا أدري أين الله؟ » قال: « نعم، والله لا تدرى أين الله. » قال عامر: « بلى والله، إني لأدرى أنّ الله لك لبالمرصاد. » فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص وأمثالهم، فجمعهم يشاورهم ويخبرهم بما بلغ منه. فلما اجتمعوا عنده قال: « إنّ لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنّكم وزرائى ونصحائى وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالى وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون. فاجتهدوا لي رأيكم ثم أشيروا عليّ. » فقال عبد الله بن عامر: « رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمّرهم في المغازي حتى يذلّوا لك، فلا تكون همّة أحدهم إلّا نفسه، وما هو فيه من دبر دابّته وقمل فروته. » ثم أقبل على سعيد بن العاص فقال: « ما رأيك؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد رأينا فاحسم عنّا الداء، واقطع ما تخاف من الأصل، واعمل برأيي. » قال: « وما هو؟ » قال: « إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك تفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر. » فقال عثمان: « إنّ هذا الرأي لولا ما فيه. » ثم أقبل على معاوية، فقال: « ما رأيك؟ » قال: « رأيي يا أمير المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لما قبلي. » ثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: « ما رأيك؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثم أقبل على عمرو بن العاص، فقال: « ما رأيك؟ » قال: « أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتزل، فإنّك قد ولّيت الناس بني أمية وحملتهم على أرقابهم، فاعتزل، فإن أبيت فامض قدما. » فقال له عثمان: « مالك، قمل فروك مذ عزلتك، أهذا الجدّ منك؟ » فسكت عنه عمرو حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: « لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعزّ عليّ من ذلك، ولكن قد علمت أنّ الناس قد علموا أنّك جمعتنا لتستشيرنا، وسيبلغهم قول كلّ رجل منّا. فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي لأقود إليك خيرا، وأدفع عنك شرّا. » فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه.
وردّ سعيد بن العاص أميرا على الكوفة.
-
أهل الكوفة يردون سعيد بن العاص
فخرج أهل الكوفة عليهم السلاح يقدمهم مالك بن الحارث الأشتر، فتلقّوه وردّوه وقالوا: « لا، والله، لا تلى علينا حكما، ولا تدخلها علينا ما حملنا سيوفنا. » فرجع سعيد وقال للناس: « أما اختلفتم إلّا لي؟ إنّما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وتضعوا لي رجلا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟ » ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر.
فقال عثمان: « ما يريدون، أخلعوا يدا عن الطاعة؟ » قال: « أظهروا أنّهم يريدون البدل. » قال: « فمن يريدون؟ » قال: « أبا موسى. » قال: « أثبتنا أبا موسى عليهم. والله لا نجعل لأحد منهم عذرا، ولا نترك لهم حجّة، ولنصيرنّ كما أمرنا حتى يبلغ الله ما يريد. » وكان يزيد بن قيس لما استغوى الناس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر قبيح لعثمان. فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه.
فقال: « ما تريد يا قعقاع، ألك علينا في أن نستعفى سبيل؟ » قال: « وهل إلّا ذاك؟ » قال: « لا. » وإنما قال ذلك لما لم يتمّ له جميع ما يريد - فقال له القعقاع: « فأمسك عن الكلام واستعف كيف شئت. »
كثر الناس على عثمان وكلموا عليا فيه
فلما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png بعضهم إلى بعض أن: « اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. » وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون، ليس منهم أحد يذبّ ولا ينهى.
فاجتمع الناس فكلّموا عليّ بن أبي طالب، http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png. فدخل عليّ على عثمان فقال:
« إنّ الناس ورائي، وقد كلّمونى فيك، وو الله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه وما خصصنا بأمر دونك. قد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحقّ منك، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك وأنت أقرب إلى رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png رحما. فالله الله في نفسك. فإنّك والله ما تبصّر من عمى ولا تعلّم من جهل، وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلام الدين لقائمة. تعلم يا عثمان، أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهدى، واستقام وأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة معلومة. فوالله إنّ كلّا لبيّن، وإنّ السنن لقائمة لها أعلام، وإنّ البدعة لقائمة لها أعلام. وإني أحذّرك الله وسطوته ونقماته، وأحذّرك أن تكون إمام هذه الأمّة الذي سمعنا به، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح به عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس عليهم أمورهم، ويتركهم شيعا لا يبصرون الحق لعلوّ الباطل، يموجون فيها موجا. » قال عثمان: « قد والله علمت أنّك تقول [ الذي قالوه ] أما والله لو كنت بمكاني ما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، وإني ما جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خلّة، وأويت ضائعا، وولّيت شبيها بمن كان يولّى عمر.
أنشدك الله يا على، هل تعلم أنّ مغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: « نعم. » قال: « فتعلم أنّ عمر ولّاه. » قال: « نعم. » قال: « فلم تلومني أن ولّيت عبد الله بن عامر في رحمه وقرابته؟ » قال عليّ: « سأخبرك. إنّ عمر كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ على صماخه، إن بلغه حرف خلعه، ثم بلغ أقصى الغاية، وأنت لا تفعل. ضعفت ورققت على أقربائك. » قال عثمان: « هم أقرباؤك أيضا. » قال عليّ: « أجل. لعمري إنّ رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم. » قال: هل تعلم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها، فقد ولّيته. » قال علي: « أنشدك الله، هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر، من يرفأ غلام عمر، منه؟ » قال: « نعم. » قال عليّ: « فإنّ معاوية يقطع الأمر دونك، وأنت تعلم، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك، فلا تغيّر على معاوية. »
ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر، فقال:
أما بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبون ويسرّون ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلّا تبرّضا ولا يردون إلّا عكرا، لا يقوم لهم رائد، قد أعيتهم الأمور، وتعذّرت عليهم المكاسب، ألا! والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، ووطّأت لكم كنفى، وكففت يدي ولساني، فاجترأتم عليّ. أما والله، لأنا أعزّ نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا وأقمن. إن قلت: هلمّ، أتى إليّ، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم [ منّى ] خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به. فكفّوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فقد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا، فما تفقدون من حقّكم. والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فضل فضل من مال. فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما؟ »
فقام مروان بن الحكم فتكلّم، فقال عثمان: « اسكت لا سكتّ، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا، ألم أتقدّم إليك ألّا تنطق بحرف؟ » فسكت مروان ونزل عثمان.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين فيها كان ظهور السبائية وخروج أهل مصر إلى المدينة لقتل عثمان
وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبا كان يهوديّا من أهل صنعاء، وأمّه سوداء.
فأسلم أيام عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول بدعة. فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام. فلم يجتمع له أمر على ما يريد، فمضى نحو مصر. فلمّا أتاها، قال لأهلها في ما يقول: « أنا أعجب ممن يصدّق بأنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمدا لا يرجع، وقد قال الله: « إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد. » فمحمد أحقّ بالرجوع. » فوضع لهم الرجعة.
ثم قال: « ما من نبي إلّا وله وصيّ، وعليّ وصيّ محمّد. »
ثم قال: « من أظلم ممن لم يجز وصيّة رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ووثب على حقّ ليس له، وتناول [ أمر ] الأمة؟ » ثم قال: « هذا عثمان قد غصب عليّا، وغيّر وبدّل، وكان وكان، فانهضوا في الأمر، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واطعنوا على أمرائكم تجدوا مقالا، وادعوا إلى هذا الأمر. » وبثّ دعاة في الأمصار، وكاتب من استفسده في الأمصار وكاتبوه. ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف، وتكاتب أهل الأمصار، حتى أوسعوا الأرض إذاعة، وتناولوا المدينة.
فدخل قوم على عثمان، فقالوا: « يا أمير المؤمنين، أيأتيك ما يأتينا؟ » قال: « لا، ما جاءني إلّا السلامة. » قالوا: « فإنّا قد أتانا كيت وكيت. » قال: « فأشيروا عليّ. » قالوا: « نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. » فدعا جماعة من وجوه الصحابة فيهم عمار بن ياسر، فأرسل أحدهم إلى الكوفة، وأرسل آخر إلى البصرة، وأرسل عمارا إلى مصر، وأرسل ابن عمر إلى الشام، وفرّق الباقين في البلاد. فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا: « أيها الناس، ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين، ولا عوامّهم، والناس ساكتون قارّون. » فاستبطأ الناس عمّارا، فلم يفجأهم إلّا كتاب من عبد الله بن أبي سرح يخبرهم: أنّ عمارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه، منهم: عبد الله بن السوداء، وسودان بن حمران، وفلان وفلان.
فكتب عثمان إلى أهل الأمصار: « أما بعد، فإني آخذ العمّال بموافاتي في كلّ موسم، فاقدموا عليّ. »
-
فقدم عليه عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل في المشورة سعدا وعمرا. فقال: « ويحكم! ما هذه الشكاة، وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم، وما يعصب هذا إلّا بي. » فقالوا: « لا والله، ما صدقوا ولا برّوا، ولا يجلّ الأخذ بها، والانتهاء إليها. » قال: « فأشيروا عليّ. » قالوا: « هذا أمر يصنع في السرّ، ثم يلقى إلى غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدّث به الناس في مجالسهم. » قال: « فما دواء ذلك؟ » قالوا: « طلب هؤلاء القوم، ثم قتل الذين يخرج هذا من عندهم. » وقال معاوية: « ولّيتنى، فولّيت قوما لا يأتيك عنهم إلّا الخير. » قال: « فما الرأي؟ » قال: « حسن الأدب. » قال: « فما ترى يا عمرو؟ » قال: « أرى أنك قد لنت لهم، وأرخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تصنع كما كان يصنع عمر. » فتكلّم عثمان بكلام ليّن ونفّر، فشخص معاوية وعبد الله بن سعد، ورجع ابن عامر وسعيد معه، وردّ سائر الأمراء إلى أعمالهم.
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه: « يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر، لم يزولوا. » فقال: « أنا أبيع جوار رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وإن كان فيه قطع خيط عنقي؟ » قال: « فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهرانيّ أهل المدينة لنائبة إن نابت. » قال: « أنا أقتّر على جيران رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png الأرزاق بجند يساكنهم وأضيّق على دار الهجرة والنصرة! » قال: « والله يا أمير المؤمنين لتقاتلنّ، ولتغزينّ. » قال: « حسبي الله ونعم الوكيل. » فقال معاوية: « يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور! » ثم خرج.
ثم إنّ السبائية كاتبوا أهل الأمصار أن يتوافوا المدينة لينظروا في ما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، ولتحقّق عليه. فتوافوا المدينة، وأرسل عثمان رجلين فقال: « انظرا ما يريدون، واعلما علمهم. » فأتياهم وداخلاهم حتى أمنوهما، فأخبروهما بما يريدون، فقالا: « من معكم من أهل المدينة؟ » قالوا: « ثلاثة نفر. » قالا: « [ فهل إلّا؟ ] » قالوا: « لا. » قالا: « فكيف تريدون أن تصنعوا؟ » قالوا: « نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنقول: إنّا قرّرناه بها. فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج بعد ذلك كأنّا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنختلعه، فإن أبي قتلناه فكانت إيّاها. » فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: « اللهم سلّم هؤلاء النفر، أما عمّار فحمل عليّ ذنب غيري وعركه بي، وأمّا محمد بن أبي بكر، فإنه رجل معجب يرى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأما ابن [ سهله ] فإنّه يتعرض للبلاء. » ثم خطب عثمان، فجمع أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، وخبّرهم بما جاء به الرجلان، واعتذر مما تجنى الناس عليه، واستشارهم. فأشار قوم بقتلهم، ولان عثمان، فأبى أولئك إلّا قتلهم، وأبي إلّا تركهم. فرجعوا إلى بلادهم وفي نيّاتهم أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج. فتكاتبوا وقالوا: موعدهم في ضواحي المدينة في شوال. فلمّا كان ذلك الوقت اجتمعوا، فنزلوا قرب المدينة - وذلك سنة خمس وثلاثين - وعدّتهم ألفا رجل، ينقصون قليلا أو يزيدون، من أهل البصرة والكوفة. وخرج أهل مصر ومعهم ابن السوداء، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، وفي أهل الكوفة زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وفي أهل البصرة حكيم بن جبلة وبشر بن شريح وأميرهم حرقوص بن زهير، ثم تلاحق بهم الناس.
فأمّا أهل مصر فإنّهم كانوا يشتهون عليّا، وأمّا أهل البصرة فإنّهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنّهم كانوا يشتهون الزبير. وكان خروجهم جميعا، وقلوبهم شتى في من يختارون، ولا تشكّ فرقة إلّا أنّ الفلج معها، حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث، تقدّم ناس من أهل البصرة، فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة، فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامّتهم بذي المروة، وقالوا: « لا تعجلوا ولا تعجلونا! حتى ندخل المدينة ونرتاد، فإنّه بلغنا أنّهم قد عسكروا لنا. فوالله إن كان أهل المدينة استحلّوا قتالنا، وهم لم يعلموا علمنا لهم إذا علموا علمنا أشدّ، وإنّ أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلّوا قتالنا، ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعنّ إليكم بالخبر. » قالوا: « فاذهبوا! » فدخل رجلان، فلقيا أزواج النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وطلحة، والزبير، وعليّا، وقالوا: « إنّما نؤمّ هذا البيت، ونستعفى هذا الوالي من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك. » [ واستأذناهم ] للناس بالدخول، فكلّهم أبي ونهى.
فاجتمع قوم من أهل مصر، فأتوا عليّا، ونفر من أهل البصرة، فأتوا طلحة، ونفر من أهل الكوفة، فأتوا الزبير.
فأما المصريّون فانّهم لما أتوا عليّا وجدوه في عسكر عند أحجار الزيت، فسلّم المصريّون على عليّ وعرّضوا، فصاح بهم، وطردهم، وقال: « ارجعوا لا صحبكم الله. » فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى حيث هو، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان. فسلّم البصريّون عليه، وعرّضوا له، فصاح بهم وطردهم، وقال قريبا مما قال عليّ.
وأتى الكوفيّون الزبير وهو في جماعة وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلّموا عليه، وعرّضوا له، فصاح بهم وقال مثل ما قال صاحباه.
فانصرف القوم إلى عساكرهم وهي على ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة، ثم يكرّوا راجعين. فافترق أهل المدينة وكرّوا راجعين. فلم يفجأ أهل المدينة إلّا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم. وأحاطوا بعثمان وقالوا: « من كفّ يده فهو آمن. » وصلّى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدا من الكلام.
فأتاهم الناس فكلّموهم وفيهم عليّ. فقال: « ما ردّكم بعد ذهابكم؟ » قالوا: « أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. »
وأتاهم طلحة، فقالوا له مثل ذلك. وأتاهم الزبير فقالوا له مثل ذلك. وأجمعوا على أن يعتزل عثمان، وهو في ذلك يصلّى بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى عثمان من شاء وهم في عينه أدقّ من التراب.
وكتب إلى أهل الأمصار يستمدّهم، ويشكو ما يلقى، بكتاب بليغ. فأتاهم الكتاب، وخرجوا على الصعب والذلول. فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو.
وكان بالكوفة جماعة يحضّضون على إغاثة أهل المدينة مثل حنظلة بن الربيع وأشباهه من أصحاب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فكانوا يطوفون على مجالسها ويقولون: « يا أيها الناس، إنّ الكلام اليوم وليس به غدا، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدا، انهضوا إلى نصرة خليفتكم. » وقام بالبصرة عمران بن الحصين وأنس بن مالك في أمثالهما من أصحاب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png يقولون مثل ذلك، وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء في أمثالهما من أصحاب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png يقولون مثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له.
ولما جاءت الجمعة التي [ على ] أثر [ نزول ] المصريّين مسجد الرسول خرج عثمان، فصلّى بالناس، ثم قام على المنبر، فقال: « الله الله يا معشر الغزّى! فامحوا الخطأ بالصواب. »
فقام محمد بن مسلمة فقال: « أنا أشهد بذلك. » فأخذه حكيم بن جبلة، فأقعده.
فقام زيد بن ثابت، فقال: « أبغنى الكتاب. » فثار إليه محمد بن أبي بكر فنتره وأقعده وقال: « اقطع! » وقام الناس بأجمعهم ثائرين بأهل المدينة، فحصبوهم، حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيّا عليه، فاحتمل وأدخل داره.
وكان المصريّون لا يطمعون في مساعدة أحد من أهل المدينة إلّا في ثلاثة فإنّهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر.
وسار ناس مستقتلين منهم: سعد بن مالك، والحسن بن عليّ، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا.
-
وأقبل عليّ وطلحة والزبير حتى دخلوا على عثمان يعودونه من صرعته، ثم رجعوا إلى منازلهم. وكان الناس قبل ذلك وافقوه على أشياء وجد فيها اعتذارا، وعلى أشياء لم يجد فيها مقالا، فقال: « أستغفر الله وأتوب إليه. » وأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطا، وأخذ عليهم ألّا يشقّوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم.
ثم قالوا: « نريد ألّا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنّما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد. »
فرضوا، وأقبلوا معه حتى خطب عثمان، وقال: « ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحلب، ألا! إنّه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png. » فغضب الناس وقالوا: « هذا مكر بني أمية. »
راكب له شأن
ورجع وفد المصريين راضين، فبيناهم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض، فمرّة يرونه، ومرّة يغيب عنهم، فقالوا: « إنّ لهذا الرجل لشأنا. » فأخذوه، وقرّروه، فقال: « أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. » ففتشوه فإذا هم بكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامله بمصر، قد جعل في إداوة [ يابسة ] يأمر بأن يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، أو يصلبهم.
فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليّا، فقالوا: « ألم تر إلى عدوّ الله! إنّه كتب فينا بكذا وكذا، بعد الميثاق الذي بيننا وبينه، وإنّ الله قد أحلّ لنا دمه، قم معنا إليه. » قال: « والله لا أقوم معكم! » قالوا: « فلم كتبت إلينا؟ » قال: « والله ما كتبت إليكم كتابا قطّ. » فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض: « ألهذا تقاتلون؟ أم لهذا تغضبون؟ » فخرج عليّ من المدينة إلى قرية، وانطلق القوم حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: « كتبت فينا بكذا وكذا. » فقال عثمان: « إنّما هما ثنتان: إمّا أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله، الذي لا إله إلّا هو، ما كتبت، ولا أمللت، ولا علمت. وقد علمتم أنّ الكتاب يكتب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم. » فقالوا: « لئن كنت كاذبا في يمينك فقد أحلّ الله دمك، ولئن كنت صادقا لقد ضعفت عن الأمر، حين لا تضبط من أمرك هذا المقدار. » وقد حاصروه، وقد ذكر الناس في هذه الروايات أشياء شنعة لم نذكرها.
وقد كان عثمان لما أحسّ بانصراف المصريين إليه من الطريق، أتى عليّا في منزله، فقال: « يا ابن عمّ! إنّه ليس منزل، وإنّ قرابتي قريبة، ولى حقّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبّحيّ، وأنا أعلم أنّ لك عند الناس قدرا، وأنّهم يستمعون منك، فأنا أحبّ أن تركب إليهم، فتردّهم عني. فإني لا أحبّ أن يدخلوا عليّ، فإنّ تلك جرأة منهم عليّ، ويسمع بذلك غيرهم. » فقال عليّ: « على م أردّهم؟ » قال: « على أن أصير إلى ما أشرت به عليّ، ورأيته لي، ولست أخرج من يديك. » فقال عليّ: « إني قد كنت كلّمتك مرّة بعد مرّة، وكل ذلك تخرج فتتكلّم وتقول وتقول، وذلك كلّه فعل مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر، ومعاوية، تطيعهم وتعصينى. » قال: وأمر الناس المهاجرين والأنصار، فركبوا معه. وأرسل عثمان إلى عمار بن ياسر، فكلّمه أن يركب مع عليّ، فأبى. ومضى عليّ في المهاجرين والأنصار، وهم ثلاثون رجلا. فكلّمهم عليّ ومحمد بن مسلمة حتى رجعوا.
فلما رجع عليّ إلى عثمان وأعلمه أنهم رجعوا، وكلّمه عليّ كلاما كان في نفسه، وخرج إلى بيته، مكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان بن الحكم، فقال له: « تكلّم، وأعلم الناس أن أهل مصر علموا أنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا، وقد رجعوا، فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم، فيأتيك أمر لا تستطيع دفعه. » [ فأبى ] عثمان، ولم يزل به مروان حتى خرج، فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « أما بعد، فإنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر، فلما تيقّنوا أنه باطل رجعوا إلى بلادهم. » فقال له عمرو بن العاص: « اتق الله يا عثمان! فإنّك قد ركبت نهابير وركبناها معك، فتب إلى الله نتب معك. » فناداه عثمان: « وإنّك هناك يا ابن النابغة قملت جبّتك منذ عزلتك عن العمل. » فنودي من ناحية أخرى: « أظهر التوبة يا عثمان يكفّ الناس عنك. » ونودى من ناحية اخرى بمثل ذلك.
فرفع عثمان يده واستقبل القبلة، فقال: « اللهمّ إني أول تائب إليك. »
ورجع إلى منزله.
ثم إنّ عليّا جاءه، فقال له: « تكلّم كلاما يسمعه الناس عامّة ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن ركبا آخر يقدمون من الكوفة أو البصرة، فتقول لي: اركب إليهم، فلا أركب، ولا أسمع لك عذرا، وتراني قد قطعت رحمك واستخففت بحقّك. »
فخرج عثمان، فخطب الخطبة المشهورة التي يقول فيها:
« إني نزعت وتبت مما فعلت، إذ التوبة خير من التمادي في الهلكة، والله أيها الناس، لئن ردّني الحق عبدا، لأذلّنّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق الذي إن ملك صبر، وإن عتق شكر. فليأتنى وجوهكم. فوالله لأنزلنّ عند رأيكم، ولأنتهينّ إلى حكمكم. » فرقّ له الناس وبكى من بكى منهم، وعلت الأصوات بالنشيج.
فقال له سعيد بن زيد: « اتقّ الله يا أمير المؤمنين في نفسك، وأتمم على ما قلت. » فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان، وسعدا، ونفرا من بني أمية لم يشهدوا الخطبة. قال مروان: « يا أمير المؤمنين، أتكلّم أم أصمت؟ » فقال بعض أهله: « لا، بل اصمت، فأنتم والله قاتلوه، إنّه قال مقالة مشهورة لا ينبغي أن ينزع عنها. » فأقبل عليها مروان بكلام قبيح إلى أن سكّتها عثمان. ثم قال مروان: « أتكلّم، أم أصمت؟ » قال: « بل تكلّم. » فقال مروان: « بأبي وأمي، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع، وكنت أول من رضى بها، وأعان عليها، ولكنّك قلت حين بلغ الحزام الطبيين، وحين أعطى الخطّة الغليظة الذليل، والله لإقامة على خطيئة تستغفر منها، أجمل من توبة تجبر عليها، وقد اجتمع بالباب مثل الجبل من الناس. » فقال عثمان: « فاخرج إليهم، فكلّمهم، فإني أستحى أن أكلّمهم. » فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: « ما شأنكم؟ قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب، كلّ إنسان آخذ بأذن صاحبه، شاهت الوجوه، ألا، من أريد؟ جئتم أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ اخرجوا عنّا، أما والله لئن رمتمونا لتلقون ما لا يسرّكم ارجعوا، فوالله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا. » فرجع الناس إلى عليّ يشكون إليه. فجاء عليّ مغضبا حتى دخل على عثمان، فقال: « أما رضيت من مروان ولا رضى منك، إلّا بإخراجك عن دينك وعقلك، مثل جمل الظعينة، يقاد حيث شاء ربّته؟. والله ما مروان بذي رأى في دينه، ولا في نفسه، وإني لأراه سيوردك ولا يصدرك، وما أنا بعائد بعد هذا لمعاتبتك، فقد أكثرت وأكثرت. أذهب شرفك وغلبت على أمرك. » فلما خرج عليّ دخل إليه بعض أهله فقال: « إني سمعت قول عليّ لك، وإنه ليس يعاودك، فقد خالفته مرارا وأطعت مروان. »
قال: « فما أصنع؟ » قال: « تتقي الله وحده وتطيعه يرشدك، فإنّ مروان ليس له عند الناس قدر، ولا هيبة، ولا محبّة، وأراه سيقتلك، فأرسل إلى عليّ واستصلحه، فإنّه يعطف عليك ولا يعصى، وقوله مقبول. » فأرسل عثمان إلى عليّ، فأبى أن يأتيه وقال: « قد أعلمته أنّى غير عائد إليه. » ومكث عثمان لا يخرج ثلاثة أيام حياءا من الناس. ثم ذهب عثمان بنفسه حتى أتى عليّا في منزله ليلا، وجعل يقول: « إني غير عائد، وإني فاعل، وإني فاعل. » فقال له عليّ: « أبعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png وأعطيت من نفسك، وبكيت حتى اخضلّت لحيتك بالدمع، وأبكيت الناس، ودخلت منزلك. وخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك، ويتلقّاهم بما يكرهونه؟ » وانصرف من عند عليّ، ولم يزل عليّ متنكّبا عنه، لا يفعل ما كان يفعل، إلّا أنّه لما منع الماء وحصر امتعض له وغضب غضبا شديدا، وكلّم طلحة وغيره حتى دخلت الروايا إلى عثمان.
ولما رأى عثمان ما نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية، وهو بالشام. يسأله أن يبعث له مقاتلة الشام على كلّ صعب وذلول. فلما جاء معاوية كتابه تربّص، وكره إظهار مخالفة أصحاب النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فلمّا أبطأ نصره على عثمان كتب إلى أهل الشام يستنفرهم، ويعظّم حقّه، ويذكر أمر الخلفاء، وما أمر الله به من طاعتهم ويقول: « والعجل، العجل، فإنّ القوم معاجليّ. » فقام قوم يحضّضون على نصره، وانتدب خلق كثير.
وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بالبصرة: أن اندب إليّ أهل البصرة، وكتب إلى أهل البصرة نسخة كتابه إلى الشام. فقامت الخطباء من أهل البصرة بحضرة عبد الله بن عامر يحضّون على نصر عثمان، وعلى المسير إليه، فيهم مجاشع بن مسعود، وهو يومئذ سيّد قيس في البصرة. فتسارع الناس، وكان أشار مروان على عثمان بمقاربة من حوله من أهل مصر وغيرهم حتى يقوى، وقال له: « أعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، وأرسل إلى عليّ يكلّمهم. » فراسل عليّا وقال: « إنّ الأمر بلغ القتل، فاردد الناس عني، فإنّ الله لهم أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون، وأعطيهم الحقّ من نفسي وغيري، وإن كان في ذلك سفك دمى. » فراسله عليّ بأنّ: « الناس إلى عدلك! أحوج منهم إلى قتلك، وإني لأرى قوما لا يرضون إلّا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم في المرة الأولى من العهود ما نقضته، ولم تف به لهم. » فقال عثمان: « أعطهم اليوم ما يحبّون، فوالله لأفينّ. » فخرج عليّ إلى الناس، فقال: « أيها الناس! إنّكم إنّما طلبتم الحقّ وقد أعطيتموه. إنّ عثمان يزعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه. » قال الناس: « قد قبلنا، فاستوثق لنا، فإنّا لا نرضى بقول دون فعل. » فقال عليّ: « ذلك لكم. » وأخبر عثمان الخبر، فقال عثمان: « اضرب بيني وبينهم أجلا تكون لي فيه مهلة، فإني لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد. » فقال عليّ: « ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب، فأجله وصول أمرك. » قال: « نعم، ولكن أجّلنى في ما في المدينة ثلاثة أيام. » فقال عليّ: « نعم. » فخرج عليّ، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا على الأجل، شرط فيه أن يردّ كل مظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهه المسلمون، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد أو ميثاق، وأشهد ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار. فكفّ المسلمون عنه، ورجوا أن يفي لهم بما أعطاهم.
-
يوم الدار
فجعل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح، وكان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس. فلمّا انقضت الأيام الثلاثة، وهو على حاله، لم يغيّر شيئا مما كرهوه، ولا عزل عاملا ثار به الناس وهجموا. فدخلوا يومئذ وما سلّموا عليه بالخلافة، وقالوا: « سلام عليكم. » فقال من حضره: « عليكم السلام. » فتكلّم الناس، وذكروا ما صنع عبد الله بن سعد بمصر من استيثاره بغنائم المسلمين، وتحامله عليهم وعلى أهل الذمّة، فإذا قيل له في ذلك، قال: « هذا كتاب أمير المؤمنين. » ثم ذكروا ما أحدثه بالمدينة وأطالوا، وقالوا: « إنّا رحلنا من مصر، لا نريد إلّا دمك أو تنزع الخلافة، فردّنا عليّ ومحمد بن مسلمة، وضمنّا له النزوع عن كل ما تكلّمنا فيه.. (ثم أقبلوا على محمد وقالوا: « هل قلت لنا ذلك؟ » قال محمد: « نعم»).. فرجعنا إلى بلادنا حتى إذا كنّا بالبويب، أخذنا غلامك على راحلة من صدقات المسلمين ومعه كتابك وخاتمك إلى عبد الله بن سعد تأمره فينا بجلد ظهورنا والمثلة بنا بالقطع والحبس الطويل، وهذا كتابك، ثم فعلت وفعلت. » فحمد الله عثمان وأثنى عليه وقال: « والله ما كتبت ولا أمرت ولا شوورت. » قالوا: « فمن كتبه؟ » قال: « لا أدري. » قالوا: « فيجترأ عليك، ويبعث بغلامك، وجمل من صدقات المسلمين، وينقش خاتمك، ويكتب إلى عاملك في إعلام المسلمين بهذه العظائم وأنت لا تعلم! ليس مثلك من يلي الخلافة، اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه. » فأبى وقال: « لا أنزع قميصا ألبسنيه الله، ولكني أتوب من كلّ ما تكرهون. » قالوا: « قد فعلت ذلك وكذبت، وقد وقعت عليك التهمة مع ما بلونا منك في مرات كثيرة، من الجور في الحكم والأثرة في القسم، والعقوبة لمن أمر بالمعروف، وإظهارك التوبة مرة بعد مرة، ثم رجوعك إلى كلّ منكر. ولقد كنّا رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعك ونستبدل بك من نرضاه، ومن لم نجرّب عليه ما جرّبناه عليك، فاردد خلافتنا. »
فأجابهم عثمان بجوابه الأول، فآذنوه بالحرب، وشدّدوا عليه الحصار.
فصعد بعض عبيد عثمان إلى سطح داره، فدلّى منه حجرا، فقتل رجلا يقال له: دينار.
فأرسلوا إلى عثمان أن: « أمكنّا من قاتله. » فقال عثمان: « والله ما أعرف قاتله. » فباتوا تلك الليلة. فلمّا أصبحوا، وهو يوم الجمعة، أحضروا نارا ونفطا، ودخلوا من ناحية الحرم، فأضرموا جوانب الدار، فاحترقت.
فقال عثمان لأصحابه: « ما بعد الحريق شيء، فمن كانت لي عليه طاعة فليمسك يده، فإنّما يريدني القوم، ولو كنت في أقصاكم لتخطّوكم إليّ، ولو وجدوني في أدناكم ما تخطّوني إليكم. » فأبى مروان وقال: « والله لا وصلوا إليك وفي روح. » وخرج إلى الناس بسيفه وعليه درع. فناوشوه القتال. ثم خرج إليه غلام شابّ طوال، فضربه مروان على ساقه، وضرب الغلام مروان على رقبته، فسقط لا ينبض منه عرق، وقتل المغيرة بن الأخنس، وجرح عبد الله بن الزبير، وانهزم من في الدار، وخرجوا هرّابا في طرق المدينة، وخلص إلى عثمان، فقتل قبل أن يلحقه الغوث من الأمصار.
أسماء كتاب عثمان
كتب له مروان بن الحكم، وكتب له عبد الملك بن مروان على ديوان المدينة، وأبو جبيرة على ديوان الكوفة، وعبد الله بن الأرقم على بيت المال، وكتب أهيب مولاه، وكتب له حمران مولاه، فأنكر عليه شيئا، فنفاه إلى البصرة، فلم يزل بها حتى قتل عثمان.
سبب سقوط هذا الكاتب من عين عثمان
وكان سبب نفيه إيّاه أنّ عثمان اشتكى شكاة، فقال له: « اكتب العهد بعدي لعبد الرحمن بن عوف. » فانطلق حمران إلى عبد الرحمن بن عوف فقال له: « البشرى! » فقال: « لك البشرى، فما ذا؟ » فأخبره الخبر. فصار عبد الرحمن إلى عثمان، فأخبره بما قال حمران، فقلق عثمان، وخاف أن يشيع، فنفاه لذلك.
ذكر تدبير تم لعثمان بمعاونة علي رضي الله عنه ورأيه لما حصر عثمان الحصار الأول
كان عليّ بخيبر، فلمّا قدم أرسل إليه عثمان. فذهب إليه، فكلّمه عثمان، وأذكره بحقّه من الإسلام والقرابة والصهر، وماله في عنقه من العهد. ثم قال له: « ولو لم يكن من هذا شيء، ثم كنّا نحن في جاهليّة، لكان عيبا على عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تيم ملكهم ».
يعنى طلحة، وقد كان اجتمع إلى طلحة قوم وطمع فيها.
فتكلّم عليّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « أما بعد، فكلّ ما ذكرت من حقّك عليّ كما ذكرت، وأما قولك: لو كنّا في جاهلية لكان عيبا على عبد مناف أن يبتزّهم أخو بنى تيم، فصدقت وسيأتيك الخبر. » ثم خرج فدخل المسجد، فرأى أسامة جالسا، فدعاه، واعتمد عليه، وخرج يمشى إلى طلحة، فلمّا دخل عليه، وجد داره ممتلئة بالرجال، فقام عليه وقال: « يا طلحة! ما هذا الأمر الذي وقفت فيه؟ » فقال: « يا أبا الحسن، أبعد ما مسّ الحزام الطبيين؟ » فسكت عليّ وانصرف حتى أتى بيت المال، فقال: « افتحوا هذا الباب. » فلم يقدر على المفاتيح، وتأخّر عنه صاحب المفاتيح، فقال: « اكسروه. » فكسر باب بيت المال، وقال: « أخرجوا المال. » وجعل يعطي الناس. فبلغ الذين في دار طلحة ما صنع عليّ، فجعلوا يتسلّلون إليه، حتى ترك طلحة وحده، وبلغ الخبر عثمان، فسرّ به، ثم أقبل طلحة عامدا إلى دار عثمان. فقال بعض الصحابة: « والله لأنظرنّ ما يقول هذا. » قال: فتبعته، فاستأذن على عثمان. فلمّا دخل عليه، قال: « يا أمير المؤمنين، أستغفر الله وأتوب إليه. أردت أمرا، فحال الله بيني وبينه. » فقال عثمان: « إنّك والله، ما جئت تائبا، ولكنّك جئت مغلوبا. الله حسيبك يا طلحة. »
خلافة الإمام علي
ذكر بيعة علي بن أبي طالب http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png
لمّا قتل عثمان اجتمع عامة المهاجرين والأنصار على عليّ، فأتوه، فتأبّى عليهم، وقال: « أنا وزيرا خير لكم مني أميرا. » فارتدّ الناس عنه وأتوا طلحة والزبير فتكلّما في قتل عثمان بما ظنّوه توعّدا، فقالوا لطلحة والزبير: « إنّ كلامكما لوعيد. » ثم انصرفوا عنهما وقال بعضهم لبعض: « إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعد قائم بهذا الأمر، لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. » فعادوا إلى عليّ وخاطبوه. فأخذ الأشتر بيد عليّ، فقبضها عليّ.
فقال الأشتر: « ما لك تتعسّر، وأنت ترى ما فيه الناس؟ » فقال عليّ: « أبعد ثلاثة؟ »
فقال له الأشتر: « أما والله لئن تركتها لتعصرنّ عينيك عليها حينا. » فبايعوه. وفي ما رواه صاحب التاريخ، قال: اجتمع أهل الأمصار وقالوا: « دونكم يا أهل المدينة، فقد أجّلناكم ثلاثا، فو الله لئن لم تفرغوا لنفعلنّ ولنفعلنّ. » فغشى الناس عليّا وقالوا: « ترى ما نزل بالناس وما ابتلينا به من بين تلك القرى؟ » فقال عليّ: « دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه. لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. » فقالوا: « ننشدك بالله. ألا ترى ما نرى؟، ألا ترى الفتنة؟ أما تخاف الله؟ » قال: « اعلموا أنّى - إن أجبتكم - ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم، ألا، إني أسمعكم، وأطوعكم لمن ولّيتموه. » فافترقوا على ذلك، واتّعدوا لغد، وتشاور الناس في ما بينهم، وقالوا: « إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت. » فبعث المصريّون بصريّا إلى الزبير وقالوا: « احذر لا تحابه. » - وكان رسولهم حكيم بن جبلة في نفر - فجاؤوا يحدونه بالسيف. وبعثوا إلى طلحة كوفيّا وقالوا: « احذر لا تحابه. » وبعثوا بنفر، فجاؤوا يحدونه بالسيف.
وبعثوا الأشتر إلى عليّ، وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبيهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد صار أهل الكوفة والبصرة كالأتباع، وهم جشعون.
فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد. وجاء عليّ حتى صعد المنبر، فقال: « يا أيها الناس، عن ملأ وإذن، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلّا من رضيتم وأمّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلّا فلا أحد على أحد. » قالوا: « نحن على ما افترقنا عليه بالأمس. » وقام الأشتر، فقدّم طلحة، وقال له: « بايع. » فقال: « أمهلنى أنظر. » فجرّد سيفه وقال: « لتبايعنّ، أو لأضعنّه بين عينيك. » فقال طلحة: « وأين المذهب عن أبي حسن. » فصعد المنبر، فبايعه. فنظر رجل من بعيد يقتاف، فقال: « إنّا لله، أول يد بايعت أمير المؤمنين يد شلّاء، لا يتمّ هذا الأمر أبدا. » وكان طلحة وقى رسول الله بيده حين رأى سهما أقبل نحو وجهه، فأصاب السهم يده، وشلّت يده.
-
ثم قدّم الزبير، فبايع، وفي الزبير خلاف، ثم تتابع الناس بالبيعة لا يكرهها أحد، وذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
وخطب على - رضي الله عنه - خطبته المشهورة، واجتمع إلى عليّ عدة من الصحابة فيهم طلحة والزبير، فقالوا: « يا عليّ، إنّا اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل، وأحلّوا بأنفسهم. » فقال لهم: « يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم. ها هم هؤلاء، وقد ثارت معهم عبيدكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم، يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟ » قالوا: « لا. » قال: « فإني والله لا أرى إلّا رأيا ترونه، إلّا أن يشاء الله. إنّ الناس من هذا الأمر - إن حرّك - على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة لا ترى ما ترون، وفرقة لا ترى لا هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق.
فاهدأوا عني، وانظروا ما ذا يأتيكم، ثم عودوا. » ثم إنّ بنى أمية تهاربت وخرجت عن المدينة. فاشتدّ عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها تلك.
ثم خرج عليّ في اليوم الثاني فقال: « يا أيها الناس، أخرجوا عنكم الأعراب. » وقال: « يا أيها الأعراب، الحقوا بمياهكم. » فأبت السبائية، وأطاعهم الأعراب. ودخل عليّ بيته، ودخل عليه عدة من أصحاب رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فيهم طلحة والزبير.
فقال لهم عليّ: « دونكم ثأركم، فاقتلوه. » فقالوا: « قد عسوا عن ذلك. » فقال لهم: « هم والله بعد اليوم أعسى. » وتمثّل:
ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم ** أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا
وقال طلحة: « تدعني، فآتي البصرة، فلا يفجأوك إلّا وأنا في خيل. » وقال الزبير: « آتي الكوفة، فلا يفجأوك إلّا وأنا في خيل. » فقال: « حتى أنظر. » وسمع المغيرة بذلك المجلس.
ذكر رأي جيد للمغيرة
فجاء المغيرة حتى دخل على عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png فقال: « إنّ حولك من يشير ويرى، ولك عليّ حقّ الطاعة، وأنّ النصح رخيص، وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح. واعلم أنّ الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وأن الضياع اليوم يضيع به ما في غد. أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، واردد عمّال عثمان عامك هذا، واكتب بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأنّ الأمر عزلت من أحببت، وأقررت من أحببت. » فقال عليّ: « والله، لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي، ولا ولّيت أمثال هؤلاء [ ولا مثلهم يولّى ]، وما كنت متخذ المضلّين عضدا. » فقال المغيرة: « فإذ قد أبيت فاترك معاوية، فإنّ له جرأة، وأهل الشام يطيعونه، ولك حجّة في إثباته، كان عمر بن الخطّاب قد ولّاه الشام كلّها. » فقال عليّ: « لا والله لا أستعمله يومين. » فقام المغيرة وانصرف، ثم عاد إليه بعد ذلك، فقال: « إني أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت، وخالفتني. ثم رأيت بعد ذلك رأيا، وأنا الآن أرى أن تصنع الذي رأيت، فتنزعهم، وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله أمرهم، وهم أهون شوكة من ذاك. »
رأي لابن عباس وما أشار به على علي
وخرج المغيرة، وتلقّاه ابن عباس خارجا. فدخل إلى عليّ، فقال: « يا أمير المؤمنين، أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خلا بك؟ » قال: « إنّه جاءني بعد مقتل عثمان بثلاثة أيام وقال: أخلنى. ففعلت. فقال: كيت وكيت. فأجبته بكيت وكيت. فانصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنّه يرى أنّى مخطئ. ثم عاد إليّ الآن، فقال: كيت وكيت.
فقال ابن عباس: « أمّا في المرة الاولى فقد نصحك، وأمّا في المرة الأخرى فقد غشّك. » قال له: « وكيف نصحنى؟ » قال ابن عباس: « لأنّك تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم، لا يبالون من ولى هذا الأمر، ومتى تعزلهم، يقولوا: أخذ الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا، وحمّلك ما قدر عليه من الذنب، فتنتقض عليك الشام. ولا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك. » فقال عليّ: « أما ما ذكرت من إقرارهم، فوالله ما أشكّ أنّ ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحق، والمعرفة بعمّال عثمان، فوالله لا أولّى منهم أحدا أبدا، فإن أقبلوا فذلك خير، وإن أدبروا بذلت لهم السيف. » قال ابن عباس: « فأطعنى، وادخل دارك، والحق بما لك بينبع، وأغلق بابك، فإنّ العرب تجول جولة وتضطرب، ولا تجد غيرك. فإنّك والله لو نهضت مع هؤلاء القوم ليحمّلنّك الناس غدا دم عثمان. »
فأبى عليّ وقال لابن عباس: « سر إلى الشام، فقد ولّيتكها. » فقال ابن عباس: « ما هذا والله برأى. معاوية رجل من بنى أمية، وهو ابن عمّ عثمان، وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكّم عليّ. » قال عليّ: « ولم تظنّ ذلك؟ » قال: لقرابة ما بيني وبينك، ولأنّ كلّ ما عليك فهو عليّ، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنّه، وعده. » فقال عليّ: « إنّ هذا ما لا يكون أبدا. » وتمثّل:
فما ميتة، إن متّها غير عاجز ** بعار، إذا ما غالت النفس غولها
فقال ابن عباس: « أنت - يا أمير المؤمنين - رجل شجاع، ولست بأرب في الحرب. أما سمعت رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png يقول: الحرب خدعة؟ » قال: « بلى. » قال ابن عباس: « أنا والله، لئن أطعتنى لأصدرنّ بهم بعد ورد، ولأتركنّهم ينظرون في دبر الأمور، ولا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك ولا إثم لك. » فقال عليّ: « يا ابن عباس، لست من هنيّاتك وهنيّات معاوية في شيء، تشير عليّ وأرى، فإذا عصيتك فأطعنى. » فقال ابن عباس: « أفعل، إنّ أيسر ما لك عندي السمع والطاعة. »
علي يفرق عماله على الأمصار
وفرّق عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png عمّاله في سنة ست وثلاثين. فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام.
فأما سهل، فإنّه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل.
فقالوا: « من أنت؟ » قال: « أمير على الشام. » فردّوه، ولم يدعوه يتجاوزها.
وأما قيس بن سعد، فإنّه لما انتهى إلى أيلة، لقيته خيل. » فقالوا: « من أنت؟ » فقال: « من فالّة عثمان، أطلب من آوى إليه، وأنتصر به. » قالوا: « فمن أنت؟ » قال: « قيس بن سعد. » قالوا: « امض. » فدخل مصر فافترق الناس: فبعضهم دخل في الجماعة وكانوا معه، وفرقة اعتزلت وقالت: « إن قتل قتلة عثمان [ فنحن معكم ]، وإلّا فنحن على جديلتنا. » وأمّا عثمان بن حنيف، فإنّه سار، ولم يردّه أحد عن دخول البصرة، ولم يوجد لابن عامر في ذلك رأى ولا تدبير، وافترق الناس بالبصرة كما افترقوا بمصر.
وأما عمارة، فلمّا صار بزبالة، لقيه طليحة بن خويلد، وكان خرج يطلب بدم عثمان. وقال له: « ارجع، فإنّ الناس لا يريدون بأميرهم بدلا، وإن أبيت ضربت عنقك. » فرجع وهو يقول: « أحرز الخطر ما تماسّك الشرّ خير من شرّ منه » - فصار مثلا.
وعلقه عمار بن ياسر إلى أن قتل.
-
وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن. فجمع يعلي بن أميّة كلّ ما كان جباه، وخرج وسار على حاميته إلى مكة، فقدمها بالمال.
فدعا عليّ طلحة والزبير فقال: « إنّ الذي كنت أحدّثكم به قد وقع، وإنّما هي فتنة كالنار، كلما سعّرت ازدادت واستثارت. » فقالا له: « ائذن لنا نخرج من المدينة. » فقال: « سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّا فآخر الداء الكيّ. » وكتب إلى أبي موسى، وهو بالكوفة، وإلى معاوية، وهو بالشام. فأمّا أبو موسى فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة، وبيّن الكاره منهم لما كان، والراضي بما كان، حتى كان عليّ على الواضحة من أمر أهل الكوفة. وأمّا معاوية فلم يكتب بشيء، ولم يجب الرسول، وجعل يردّده. وكان كلّما تنجّزه تمثّل بشعر لا يحصل منه على بيّنة، حتى أحكم أمر نفسه، وواطأ من أراد. وأتى على الرسول ثلاثة أشهر. ثم دعا بأحد ثقاته، ووصاه، ودفع طومارا مختوما إليه، عنوانه: « من معاوية إلى عليّ. »
وقال: « إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ليقرأ الناس العنوان. » ثم أوصاه بأشياء يفعلها، ويقولها، وسرّح رسول عليّ معه.
فلما دخلا المدينة رفع رسول معاوية الطومار، فتفرّق الناس إلى منازلهم وقد علموا أنّ معاوية ممتنع، ومضى الرسول حتى دخل على عليّ، فدفع إليه الطومار، ففضّ خاتمه، فلم تجد في جوفه كتابا.
فقال للرسول: « ما وراءك؟ » قال: « آمن أنا؟ » قال: « نعم، لعمري إنّ الرسل لآمنة. » قال: « ورائي أنى تركت قوما لا يرضون إلّا بالقود. » قال: « ممن؟ » قال: « من خيط رقبتك، ولقد تركت ستين شيخا يبكى تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق. » فقال: « منى يطلبون دم عثمان، ألست موتورا كترة عثمان؟ اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنّه إذا أراد أمرا أمضاه، اخرج. » قال: « وأنا آمن؟ » قال: « وأنت آمن. » فخرج وصاحب السبائية واقف، فقالوا: « هذا الكلب وافد الكلاب، اقتلوه. » فنادى: « يا آل مضر، يا آل قيس، الخيل والنبل! أحلف بالله ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصيّ، فانظروا كم الفحولة والركّاب. »
فتغاووا عليه، ومنعته مضر، وجعلوا يقولون له: « اسكت لا أبا لك. » فيقول: « والله، لا أسكت، فلقد أتاهم ما يوعدون. » فيقولون له: « اسكت. » فيقول: « لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمارهم، ذهبت والله ريحهم. » ولم يزل بذلك حتى تبيّن الذلّ فيهم، وتمّ لمعاوية تدبيره هذا.
علي يدبر لقتال أهل الفرقة بالشام
واستأذن طلحة والزبير في العمرة، فأذن عليّ لهما، فلحقا بمكة، وأحبّ أهل المدينة [ أن يعلموا ] ما رأى عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أيقدم عليه، أم يجزع منه. وكان بلغهم أنّ الحسن ابنه دخل عليه، وحذّره، ودعاه إلى القعود وترك الناس. فدسّوا زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى عليّ، فدخل عليه وجلس إليه ساعة. ثم قال له عليّ: « يا زياد، تيسّر. » قال: « لأيّ شيء؟ » قال: « لغزو الشام. » قال زياد: « الأناة والرفق أمثل »، وقال:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ** يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
فتمثّل عليّ وكأنّه لا يريده:
متى تجمع القلب الذكيّ وصارما ** وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
فخرج زياد على الناس وهم ينتظرونه، فقالوا:
« ما وراءك؟ » قال: « السيف يا قوم. » فعرفوا رأى عليّ.
ودعا عليّ محمد بن الحنفية، فدفع إليه اللواء، وولّى عبيد الله بن عباس، ميمنته، وعمر بن أبي سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته عمر بن الجرّاح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، ولم يولّ أحدا ممن خرج على عثمان.
واستخلف على المدينة قثمّ بن العباس، وكتب إلى أبي موسى، وإلى قيس بن سعد، وإلى عثمان بن حنيف أن يندبوا الناس إلى الشام، وأقبل يتجهّز، وخطب الناس، فدعاهم إلى النهوض، وحضّهم على قتال أهل الفرقة.
ابتداء وقعة الجمل
طلحة والزبير يريدان البصرة للإصلاح
فبينا هو على ذلك، إذ أتاه من مكة عن عائشة أمّ المؤمنين وطلحة والزبير شيء آخر بخلاف ما هو فيه. ثم أتاه عنهم أنّهم يريدون البصرة للإصلاح. فقال: « إن فعلوا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم في المقام [ فينا مؤونة ] ولا إكراه. » فتعبّأ للخروج نحوهم، وخطب وندب الناس، فتثاقلوا.
ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس على عليّ انتدب وقال: « من تثاقل عنك يا أمير المؤمنين، فإنّا نقاتل معك ونخفّ بين يديك ما حملت أيدينا سيوفنا. » وأجابه رجلان من أعلام الأنصار.
-
عائشة تريد طلحة
ولمّا هرب بنو أمية لحقوا بمكّة، فاجتمعوا إلى عائشة، وكانوا ينتظرون أن يلي الأمر طلحة، لأن هوى عائشة كان معه، وكانت من قبل تشنّع على عثمان، وتحضّ عليه، وتخرج راكبة بغلة رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ومعها قميصه وتقول: « هذا قميص رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png ما بلى وقد بلى دينه، اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا. » فلما صار الأمر إلى عليّ كرهته وعادت إلى مكة بعد أن كانت متوجّهة إلى المدينة، ونادت: « ألا، إنّ الخليفة قتل مظلوما، فاطلبوا بدم عثمان. »
من استجاب لعائشة ومن اعتزل
فأوّل من استجاب لها عبد الله بن عامر، ثم قام سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بنى أمية. وكان قدم عبد الله بن عامر قريبا، ويعلي بن أمية من اليمن، واجتمع رأيهم بعد نظر طويل، وخطاب كثير، على البصرة، وقالوا: « معاوية قد كفاكم الشام. » وكان مع يعلى ستمائة بعير، وستمائة ألف درهم، فأنفقهما في ذلك الوجه، وشتموا عبد الله بن عامر، وقالوا: « لا أنت مسالم ولا أنت محارب، هلّا أقمت بالبصرة فمنعت حوزتك كما منع معاوية، أو هلّا أرفدتنا اليوم بمالك كما فعل يعلي بن أمية. » فتكلّم بما لم يرضوه في جوابهم. وسأل الناس غير عائشة من أزواج النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فأرادت حفصة الخروج، فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فطلب إليها أن تقعد، فقعدت. وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث بن عبد المطّلب رجلا من جهينة، واستأجرته على أن يطوى ويأتى عليّا بكتابها، فقدم من جهتها بالخبر على عليّ. فأما المغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص، فإنّهما خرجا من مكة مرحلة مع القوم، ثم تشاوروا. فقال المغيرة: « عندي أنّ الرأي لنا أن نعتزل الجميع، فأيّهم أظفره الله أتيناه وقلنا: كان هوانا معك وصغونا إليك. » فاعتزلا وعادا إلى مكة ومعهما غيرهما.
موقف آخر لسعيد بن العاص
ويقال: إنّ سعيد بن العاص أتى طلحة والزبير فقال: « إن ظفرتما، لمن يكون الأمر؟ » قالا: « لأحدنا، أيّنا رضيه المسلمون. » قال: « لا، بل اجعلوه لولد عثمان، فإنكم خرجتم تطلبون بدمه. » قالا: لا والله، ما ندع مشايخ المهاجرين والأنصار ونجعل الخلافة في أبنائهم. » فقال: « ما أرانى أسعى إلّا في إخراجها من ولد عبد مناف. »
سؤال وتنازع حول الإمرة
فرجع مع من رجع، واستمرّ بالقوم المسير. فلما نزلوا ذات عرق أذّن مروان، ثم جاء حتى وقف عليهما، فقال: « على أيّكما أسلّم بالإمرة وأؤذّن بالصلاة؟ » فقال ابن الزبير: « على أبي. » وقال ابن طلحة: « على أبي. » وتنازعا. فأرسلت عائشة إلى مروان: « ما لك يا مروان! تريد أن تفرّق جماعتنا، ليصلّ ابن أختى بالناس. » فكان يصلّى بهم عبد الله بن الزبير حتى قدموا البصرة. فكانوا يقولون: « لو ظفرنا لافتتنّا، وما كان ليخلّى الزبيريّون الأمر لطلحة، ولا الطلحيون الأمر للزبير. » وإنّ عليّا تجهّز في من خفّ معه، يبادرهم ليعترض عليهم دون البصرة، وخرج معه تسعمائة رجل في التعبئة التي كان تعبّأ بها إلى الشام، حتى انتهى إلى الربذة، وبلغه ممرّهم وقد فاتوه. فأقام هناك يأتمر.
اتفاق في ذلك الوجه
فمما اتفق في ذلك الوجه، أنّ صاحب الجمل - الذي يقال له: « عسكر » وخبره مشهور - حكى أنه: لما اشترى منه الجمل بحكمه وركبته عائشة سألوه عن الطريق، وهل هو خبر؟
قال، فقلت: « أنا أهدى من القطا. » فأعطونى دنانير، وتقدّمتهم، وكانوا يسألوننى عن كلّ ماء، حتى نزلوا الحوءب، فكان الحديث المشهور، فبينا نحن كذلك، إذا بابن الزبير يركض وينادى: « أدرككم عليّ بن أبي طالب، النجا النجا. » وشتموني ورحلوا، وانصرفت. فما سرت إلّا قليلا حتى لقيت عليّ بن أبي طالب ومعه ركب، فقال: « عليّ بالراكب. » فأتيته. فقال: « أين لقيت الظعينة؟ » فقلت: « مكان كذا، وقد بعتهم جملي وأعطونى ناقتها وهي هذه تحتي، وأعطونى كيت وكيت. » قال: « وقد ركبته؟ » قلت: « نعم. وسرت معهم إلى الحوءب وكان من أمرهم كذا وكذا، وارتحلوا وأقبلت. » قال عليّ: « فهل لك دلالة بذي قار؟ » قلت: « نعم. » قال: « سر معنا. »
علي يستشير الناس والحسن يذكر له ما كان قد أشار به عليه قبل
فسرنا حتى نزلنا بذي قار. فأمر عليّ بجوالقين، فضمّ أحدهما إلى صاحبه، ثم جيء برحل، فوضع عليه، ثم صعد عليه، وخطب الناس وأعلمهم الخبر. ثم استشارهم، فقام الحسن، فبكى، وقال: « أشرت عليك فعصيتني، فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك. »
فقال له عليّ: « إنّك لا تزال تحنّ حنين الجارية، وما الذي أشرت به عليّ فعصيتك؟ تكلّم به ليسمعه الناس. » قال: « كنت قلت لك يوم أحيط بعثمان: أن تخرج من المدينة فلا تشهد قتله فأبيت. وقلت لك يوم قتل: لا تبايع حتى يأتيك وفود العرب وبيعة أهل الأمصار، فأبيت. ثم قلت لك حين فعل الرجلان ما فعلا أن: تجلس في بيتك حتى يصطلح الناس، فإن كان فساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كلّه. » فقال: « أى بنيّ! أمّا قولك: لو خرجت من المدينة، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. « وأمّا قولك: انتظره حتى يأتيك الوفود وأهل الأمصار، فإنّ الأمر أمر أهل المدينة، وعقدهم جائز على المسلمين، وكرهنا أن نضيع هذا الأمر فتكون فتنة. » « وأمّا قولك حين خرج طلحة والزبير أن اجلس في بيتك، فإنّ ذلك كان وهنا على أهل الإسلام لو فعلته. وو الله ما زلت مقهورا منذ ولدت، منقوصا لا أصل إلى حقّى، ولا إلى شيء مما ينبغي لي. » « وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما لزمني؟ أتريد أن أكون كالضبع التي يحاط بها ويقال: داب داب، أمّ عامر ليست هاهنا، حتى يحلّ عرقوباها. إذا لم أنظر في ما لزمني ويعنيني فمن ينظر فيه. » فكفّ عليك يا بنيّ. إنّ النبي http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png قبض وما أرى أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا بكر، فبايعت كما بايعوا. ثم هلك أبو بكر وما أرى أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس عمر، فبايعت كما بايعوا. ثم هلك عمر وما أرى أحقّ بهذا الأمر مني، فجعلني سهما من ستة أسهم. ثم عدل عني إلى عثمان، فبايعت كما بايع الناس. ثم سار الناس إلى عثمان، فقتلوه، وأتوني طائعين غير مكرهين، فبايعوني. فأنا مقاتل بمن اتبعني من خالفني حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. » ولما قربت عائشة ومن معها من البصرة قدّمت عبد الله بن عامر وقالت: « أنت لك صنائع فاذهب إلى صنائعك، فليلقوا الناس. » وكتبت إلى رجال البصرة كالأحنف بن قيس وضبرة بن شيمان ووجوه الناس، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب.
عثمان بن حنيف يبعث رسولين إلى عائشة وطلحة والزبير
ولما بلغ الخبر البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين، وكان رجل عامة، وأبا الأسود الدئلي وكان رجل خاصّة وقال: « انطلقا إلى هذه المرأة واعلما علمها وعلم من معها. » فانتهيا إليها والناس بالحفير، واستأذنا فأذن لهما، فسلّما وقالا: « إنّ أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ » فقالت: « والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يمئى لبنيه الخبر، [ إنّ الغوغاء ]، ونزّاع القبائل غزوا حرم رسول الله، ونالوا من قتل الامام، ما استحقّوا به لعنة الله، وفعلوا وفعلوا. فخرجت في المسلمين إلى هذا المصر، لأعلمهم ما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم بأن يأتوه من الإصلاح، وقرأت: لا خير في كثير من نجواهم إلّا من أمر بصدقة، أو إصلاح بين النّاس، فهذا شأننا، نأمركم بالمعروف ونحضّكم عليه، وننهاكم عن منكر، ونحثّكم على تغييره. » فخرجا من عندها، وأتيا طلحة، فقالا ما قالا لعائشة وسألاه: ما الذي أقدمه؟ قال: « الطلب بدم عثمان. » قالا: « ألم تبايع عليّا؟ » قال: « بلى، واللّجّ في عنقي، وما أستقيل عليّا، إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. » ثم أتيا الزبير، فقالا: « ما أقدمك؟ » قال: « الطلب بدم عثمان. » قالا: « ألم تبايع عليّا؟ » قال: « بلى، واللّجّ في عنقي، وما أستقيل عليّا إن لم يحام على قتلة عثمان. » ومضى الرجلان، حتى دخلا على عثمان بن حنيف. فبدر أبو الأسود عمران وأنشد:
-
يا بن حنيف قد أتيت فانفر ** وطاعن القوم وجالد واصبر
وابرز لهم مستلئما وشمّر
فقال عثمان بن حنيف: « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. دارت رحى الإسلام وربّ الكعبة. فانظر أيّ زيفان تزيف. » فقال عمران: « إى والله، لتعركنّكم عركا طويلا. » قال: « فأشر عليّ يا عمران. » قال: « إني قاعد، فاقعد. » قال: « بل أمنعهم حتى يأتى أمير المؤمنين. » فانصرف عمران، وقام عثمان في أمره، ونادى في الناس، وأمرهم بالتهيؤ.
فلبسوا السلاح، واجتمعوا في المسجد الجامع، وأقبل عثمان بن حنيف على الكيد.
كيد كاد به عثمان بن حنيف
فمما كاد به لينظر ما رأى الناس: أن دسّ رجلا إلى الناس كوفيّا قيسيّا يقال له: قيس به العقدية، فقام وقال: « أيها الناس، إنّ هؤلاء القوم الذين جاءوكم إن كانوا جاءوا خائفين، فقد جاءوا من مكان بعيد يأمن فيه الطير، وإن جاءوا يطلبون بدم عثمان، فما نحن بقتلة عثمان. أطيعونى في هؤلاء القوم، فردّوهم من حيث جاءوا. » فقال الأسود بن سريع: « أو زعموا أنّا قتلة عثمان. إنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منّا ومن غيرنا. » فتكلّم القيسيّ فحصبه الناس. فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا ممن معه، فكسره ذلك.
انتهاء عائشة ومن معها إلى المربد
وأقبلت عائشة في من معها، حتى انتهوا إلى المربد، فدخلوا من أعلاه، ووقفوا حتى خرج عثمان في من معه، وخرج إليها من أراد أن يكون معها.
واجتمع الناس بالمربد، وجعلوا يتوثّبون، واغتصّ المكان بالناس.
فتكلّم طلحة وهو في ميمنة المربد، وعثمان في زهو ميسرته، فأنصتوا، فذكر فضل عثمان، والبلد، وما استحلّوا منه، وعظّم ما أتى إليه، ودعا إلى الطلب بدمه، وقال في آخر كلامه: « إنّه حدّ من حدود الله، فإن فعلتم أصبتم، وعاد أمركم، وإن تركتم لم يقم لكم سلطان، ولم يكن لكم نظام. » فقال من في ميمنة المربد: « صدقا وبرّا ».
وقال من في الميسرة: « فجرا وغدرا. قد بايعا، ثم جاءا يقولان ما يقولان. » وتحاصب الناس، وتكلّموا. فتكلّمت عائشة. وكانت جهيرة الصوت، فحضّت على الطلب بدم عثمان والأخذ بالكتاب الذي يدعون إليه. وأقبل جارية بن قدامة السعدي، فقال: « يا أمّ المؤمنين، لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك عرضة للسلاح. فقد كان لك ستر من الله وحرمة: فهتكت سترك، وأبحت حرمتك، إنّ من رأى قتالك فهو يرى قتلك. فإن كنت خرجت طائعة فارجعى إلى بيتك، وإن خرجت كارهة فاستعيني بالناس. » وخرج رئيس كل طائفة، فتكلّم فقال بعضهم: « أمّا أنت يا زبير، فحواريّ رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png، وأمّا أنت يا طلحة فوقيت رسول الله بيدك، وأرى أمّكما معكما، فهل جئتما بنسائكما؟ » قالا: « لا. » قال: « فما أنا منكما. » واعتزل.
قتال وتوادع
وأقبل حكيم بن جبلة فأنشب القتال، فاقتتلوا إلى الليل، وقتل خلق. ثم إنهم توادعوا على أن يكتبوا إلى المدينة، ويستعلموا الناس: هل بايعا مكرهين؟
فإن بايعا مكرهين خرج عثمان بن حنيف، وإن كانا بايعا طائعين خرج طلحة والزبير.
فجرى خطب طويل بالمدينة لما ورد الرسول من البصرة، ليس لذكره وجه في ما نحن بسبيله.
وكان الناس كتبوا بينهم كتابا شرط فيه ألّا يضارّ أحد بأحد في سوق ولا طريق إلى أن تعود الرسل. إلّا أن محمد بن طلحة قام يوما في المسجد مقام عثمان بن حنيف، فتعرض له عثمان، وجاء بعض الحرس، فنحّاه، وظنّ أنه جاء في شرّ.
ووصل كتاب عثمان بن حنيف إلى عليّ بما كان من الناس. فكتب عليّ - رضي الله عنه - يعجّزه ويقول: « ما أكرها على فرقة، وإنّما أكرها على جماعة، فإن كانا يريدان الخلع، فلا عذر لهما. »
ما جرى على عثمان بن حنيف
فقدم الكتاب على عثمان، واتّفق أن تأخّر ابن حنيف عن الصلاة، فقدّما عبد الرحمن بن عتّاب، فشهر الزطّ السلاح ومنعوه. ثم اقتتلوا في المسجد، وصبر الرجّالة لهم، فقتلوهم عن آخرهم وهم أربعون رجلا. وأدخلوا الرجال على عثمان، فما وصل إليه إلّا بعد أن لحقه مكروه عظيم. وأرسلوا إلى عائشة يستشيرونها في أمره. فأمرت بقتله، فناشدها قوم فيه، وأذكروها بصحبته رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png فأشار مجاشع بن مسعود بضربه فضربوه أسواطا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه حتى حاجبيه وعينيه، وأشفار عينيه.
ثم حبسوه. فغضب له قوم، وثار حكيم بن جبلة، وأصبح بيت المال والحرس في يدي طلحة والزبير.
وقال حكيم بن جبلة: « لست أخاف الله إن لم أنصر عثمان بن حنيف. » فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل، فأتى ابن الزبير في مدينة الرزق. فقال: « ما لك يا حكيم، ما تريد؟ » قال: « أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تحلّوا عثمان، فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم عليّ. وأيم الله لو أجد أعوانا لألحقنّكم بمن قتلتم. فقد أحلّ الله لنا دماءكم بمن قتلتم من إخواننا. أما تخافون الله، بم تستحلّون سفك الدماء؟ » قال: « بدم عثمان. » قال: « فالذين قتلتموهم قتلة عثمان! أما تخافون الله ومقته وعقوبته؟ » فقال ابن الزبير: « لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّى سبيل عثمان بن حنيف حتى نخلع عليّا. » قال حكيم: « اللهمّ إنّك حكم عدل. » ثم قال لأصحابه: « إني لست في شكّ من قتال هؤلاء القوم. »
قتال شديد ضرب فيه رجل ساق حكيم
فاقتتلوا قتالا شديدا. وضرب رجل ساق حكيم، فقطعها. فأخذ حكيم ساقه ورماه بها، فأصاب عنقه، فصرعه. ثم حبا إليه فقتله واتكى عليه، فانتهى إليه رجل وقال له: « من قتلك؟ » قال: « وسادتى. » وقتل سبعون رجلا من عبد القيس.
وقال حكيم حين قطعت رجله:
يا فخذ لن تراعي ** إنّ معي ذراعي
[ أحمي بها كراعي ]
فاحتمل الرجل حكيما وضمّه في ستين من أصحابه. فتكلّم يومئذ وإنّه لقائم على رجل - وإنّ السيوف لتأخذهم - لا يتعتع: « إنّا خلّفنا هذين، وقد بايعا عليّا، وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين يطلبان بدم عثمان، وهما كاذبان، وإنّما أراغا المال والإمرة. » وأخذته السيوف، فأنيم، وأنيم أصحابه، وأفلت حرقوص بن زهير وحده.
ونادى منادي عائشة: « ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة، فليأتنا بهم. » فجيء بهم كما يجاء بالكلاب، فقتلوا. فما أفلت منهم غير حرقوص. فخشّنوا صدور بنى سعد، وإنهم لعثمانية، حتى انفردوا. وغضب عبد القيس لمن قتل منهم بعد الوقعة، ثم أمرا للناس بأعطياتهم، وفضّلا أهل السمع.
فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل. فبادروا إلى بيت المال، وركبهم الناس، وخرجوا حتى نزلوا على طريق عليّ، وأقام طلحة والزبير بالبصرة ليس معهما مخالف.
وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا، وقصّوا القصة وأطالوا، وذكروا أنّهم أقاموا حدّ الله، وأنهم قد أعذروا، وقضوا ما عليهم، فنناشدكم الله في أنفسكم إلّا نهضتم بمثل ما نهضنا به. وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثل ذلك، وإلى أهل اليمامة بمثله.
وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة كتابا بليغا طويلا تحضّهم على إقامة كتاب الله، وتذكر لهم ما صنعوا بالبصرة. وكتبت إلى رجال بأسمائهم وقالت: « ثبّطوا الناس عن نصرة هؤلاء القوم، والزموا بيوتكم ».
ولما قتلوا حكيما وأصحابه همّوا بقتل عثمان بن حنيف فقال لهم عثمان: « ما شئتم، إن أخي سهلا بالمدينة مع عليّ، وهو وال بها، فإن قتلتموني انتصر. » فخلّوا عنه، وصلّى بالناس عبد الله بن الزبير.
وكتبت عائشة بنت أبي بكر إلى زيد بن صوحان: « من عائشة أم المؤمنين وحبيبة الرسول إلى ابنه الخالص زيد بن صوحان.
أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم وانصرنا على أمرنا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ بن أبي طالب. » فكتب إليها زيد بن صوحان: « إلى عائشة بنت أبي بكر. أمّا بعد، فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت من هذا الأمر، ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أوّل من نابذك. » وقال: « رحم الله عائشة. أمرت أن تلزم بيتها، وأمرنا أن نقاتل، فتركت ما أمرت به، وأمرتنا به، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه. » وكان عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png حين انتهى إلى الربذة، أقام، وأرسل إلى أهل الكوفة، وكاتبهم، واستدعى من المدينة ما أحبّ من سلاح وغيره. وقدم عثمان بن حنيف الربذة على عليّ منتوف شعر الوجه كلّه، وقال: « يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية، وجئتك أمرد. » قال: « أصبت خيرا وأجرا. اللهم احلل ما عقدا، ولا تبرم ما أحكما، وأرهما المساءة في ما عملا. »
-
ماذا جرى في الكوفة
فأمّا أهل الكوفة، فلمّا انتهى إليهم رسول عليّ استشاروا أبا موسى. فقال لهم: « إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا. » وجعل يثبّط الناس. إلى أن أنفذ عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png ابن عباس والأشتر، فلم يغنيا، وكان بعث بهاشم بن عتبة إلى أبي موسى يستنفر الناس. فكتب إليه هاشم: « إني قدمت على رجل مشاقّ ظاهر الغلّ. » فبعث عليّ الحسن وعمارا، وكتب إلى أبي موسى: « أما بعد، فكنت أرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك فيه نصيبا سيمنعك من ردّ أمري. وقد بعثت الحسن بن عليّ، وعمار بن ياسر، وبعثت قرطة بن كعب واليا. فاعتزل عملنا مذموما مدحورا. » فقدم الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر. فلطف الحسن وقال: « أيها الناس! أجيبوا أميركم، وسيروا إلى إخوانكم. فإنّه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه. فوالله أن يليه أهل النهى أمثل في العاجلة، وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. »
فقام زيد بن صوحان فقال: « يا قوم! سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين. »
فقام القعقاع بن عمرو، فقال: « أيها الناس! إني لكم ناصح وعليكم شفيق، ولأقولنّ لكم قولا هو الحقّ، إنّه لا بدّ لنا من إمارة تنظم الناس، وتردع الظالم، وتعزّ المظلوم، وهذا عليّ ولى ما ولى، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا، وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع. » ثم تكلّم سيحان، وقال مثل قول القعقاع، وتكلّم عديّ بن حاتم في قومه لمّا بلغه كلام الحسن وجواب الناس وقال: « قد بايعنا هذا الرجل، ودعانا إلى أمر جميل، ونحن سائرون. » وتكلّم هند بن عمرو، وحجر بن عديّ، والأشتر، وقالوا مثل ذلك. وقال الحسن: « أيها الناس! إني غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر، ومن شاء فليخرج في الماء. » فنفر معه تسعة آلاف رجل، وروى أيضا أنهم كانوا اثنى عشر ألفا، وأخرج أبو موسى من القصر، وشدّد عليه الأشتر.
علي يرسل القعقاع إلى أهل البصرة
فلمّا وردوا على عليّ ذا قار، تلقّاهم عليّ، فرحّب بهم، وأثنى عليهم. ثم دعا القعقاع بن عمرو، فأرسله إلى أهل البصرة، وقال: « الق هذين الرجلين، فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الفرقة. » ووصاه بما أراد.
ثم قال له: « كيف أنت صانع في ما جاءك منهم مما ليس عندك وصاة مني؟ »
قال: « نلقاهم بالذي أمرت به. فإذا جاءنا أمر ليس عندنا منك فيه وصاة اجتهدنا الرأي، وكلّمناهم على قدر ما نسمع منهم ونرى أنّه ينبغي. » قال: « أنت لها. » فخرج القعقاع حتى قدم البصرة. فبدأ بعائشة، فسلّم عليها، ثم قال: « أي أمّه! ما أشخصك. وما أقدمك؟ » قالت: « أي بنيّ! الإصلاح بين الناس. » قال: « فابعثي إلى طلحة والزبير، حتى تسمعي كلامي وكلامهما. » فبعثت إليهما، فجاءا. فقال: سألت أم المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: « الإصلاح بين الناس. » [ فقلت ]: « فما تقولان أنتما: متابعان، أم مخالفان؟ » قالا: « متابعان. » قال: فأخبرانى ما وجه هذا الصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحنّ، وإن أنكرناه لا نصلح. » قالا: « قتلة عثمان. فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل به كان إحياءا للقرآن. » قال: « قد قتلتم بالبصرة من زعمتم أنهم قتلة عثمان، وأنتم كنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلّا رجلا فغضب لهم ستة آلاف، فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الواحد الذي أفلت - يعنى حرقوص بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل. فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوا فأديلوا عليكم، فالذي حذرتم وقوّيتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وإن أنتم أحميتم مضر وربيعة من أهل هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير. » قال: أقول: « إنّ هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن احتلجوا. فإن أنتم تابعتمونا فعلامة خير، وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية لهذه الأمة. وإن أبيتم إلّا مكاثرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وفناء هذه الأمة. فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم تكونون، ولا تتعرّضوا للبلاء ولا نتعرض له فيصرعكم ويصرعنا. إنّ هذا الأمر الذي أنتم فيه، أمر ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل. » فقالوا: « إذا أحسنت وأصبت المقالة. فارجع، فإن قدم عليّ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. » فرجع إلى عليّ، فأخبره الخبر، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كرهه من كرهه، ورضيه من رضيه. وأقبلت وفود البصرة نحو عليّ حين نزل بذي قار.
فجاء وفد تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أيّ حال نهضوا [ إليهم ] وليعلمو هم أنّ الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر قتالهم على بالهم.
فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل البصرة، وقالوا لهم مثل مقالتهم، فأدخلوهم إلى عليّ، فأخبروه بخبرهم. فسأل عليّ جرير بن شرس عن طلحة والزبير، وعن نياتهما، فأخبره بدقيق أمرهما وجليله، وحتى تمثّل له [ طلحة ]:
ألا أبلغ بنى بكر رسولا ** فليس إلى بنى كعب رسول
سيرجع ظلمكم منكم عليكم ** طويل الساعدين له فضول
فتمثّل عليّ عندها:
ألم تعلم أبا سمعان أنّا ** نردّ الشيخ مثلك ذا الصداع
ونذهل عقله بالحرب حتى ** يقوم، فيستجيب بغير داع
فدافع عن خزاعة جمع بكر ** وما بك يا سراقة من دفاع
وتحدّث الناس بهذه الأبيات، وتداولوها، لأنّ طلحة كان يديم إنشاد البيتين الأوّلين.
ورجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم. فجمع عليّ الناس، ثم قام على الغرائر، فخطب، وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة بالجماعة، وحضّ الناس على الألفة. ثم قال:
« إنّ قوما حسدوا هذه الأمة التي أفاء الله عليها ما أفاءه على الفضيلة، وأرادوا ردّ الأمور على أدبارها، والله مصيب أمره، وبالغ ما أراد. ألا وإني راحل غدا، فارتحلوا. ولا يرحلنّ أحد أعان على عثمان بشيء، في شيء من أمور الناس، وليغن سفهاؤهم عني أنفسهم. »
ذكر السبب في نقض ما أشرف عليه القوم من الإصلاح
فاجتمع نفر منهم: علباء بن الهيثم، وعديّ بن حاتم، وشريح بن أوفى، والأشتر، وغيرهم من طبقتهم ممن سار إلى عثمان، أو رضى بسير من سار.
وجاءهم ابن السوداء، وخالد بن ملجم، ومعهم المصريّون، فتشاوروا.
ذكر آراء هؤلاء وما تقرر عليه الرأي في ما اجتمعوا عليه ودبوا له من الحيلة في نقض الصلح
فقال القوم: « هذا والله عليّ، وهو أعلم وأبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم، والقليل من غيرهم. فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، ورأوا قلّتنا في كثرتهم. أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى من شيء. » فقال الأشتر: « أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما. وأما عليّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأي الناس فينا واحد، وإن يصطلحوا مع عليّ فعلى دمائنا. فهلمّوا نتوثب على عليّ فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكوت. »
فقال عبد الله بن السوداء: « بئس الرأي رأيت. أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمائة. وهذا ابن الحنظليّة في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا فارق على ظلعك. » وقال علباء بن الهيثم: « انصرفوا بنا ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى لعدوّهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، ارجعوا فتعلّقوا ببلد من البلدان، وامتنعوا من الناس. » فقال ابن السوداء: « بئس ما رأيت، ودّ - والله - الناس أنكم على جديلة، ولم تكونوا مع قوم برءاء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطّفكم كلّ شيء. » فقال عديّ بن حاتم: « والله ما رضيت، ولا كرهت. ولقد عجبت من تردّد من تردّد عن قتله في خوض الحديث. فأما إذا وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنّ لنا عناقا من خيول، وسلاحا محمولا. فإن أقدمتم أقدمنا، وإن أمسكتم أمسكنا. » فقال ابن السوداء: « أحسنت. » وقال سالم بن ثعلبة: « من كان أراد بما أتى الدنيا، فإني لم أرد ذلك. والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى شيء، ولئن طال بقائى إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور. وأحلف بالله، إنكم لتفرقون السيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلّا إلى السيف. » فقال ابن السوداء: « قد قال قولا. »
-
وقال شريح بن أوفى: « أبرموا أموركم، ولا تؤخّروا أمرا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجّلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره، فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غدا إذا هم التقوا. » وتكلّم عبد الله بن السوداء فقال: « يا قوم، إنّ عزّكم في خلطة الناس، فصانعوهم. وإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر الطويل. فإنّ من أنتم معه لا يجد بدّا من أن يمتنع ويشغل الله عليّا وطلحة والزبير، ومن رأى رأيهم، عما تكرهون، فأبصروا الرأي وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون. » وأصبح عليّ على ظهر. فمضى ومضى الناس حتى انتهى إلى عبد القيس فنزل بهم والناس يتلاحقون به وقد قطعهم. ولما بلغ أهل البصرة نزول عليّ حيث نزل اجتمعوا إلى طلحة والزبير، وأشاروا عليهما أن يبعثا خيلا فتبيّت عليّا قبل أن يجتمع الناس إليه. فنهى الزبير وقال: « نرجو الصلح، وقد رددنا وافدهم - يعنى القعقاع - على أمر، وأرجو أن يتمّ. » فقام ضبرة بن شيمان إلى طلحة فقال: « يا طلحة! أيتهزّأ بنا هذا الرجل؟ إنّ الرأي في الحرب خير من الشدّة. » فقال: « يا ضبرة! إنّا وهم مسلمون، وهذا أمر حدث، ولم يكن قبل اليوم، ولسنا ننتظر نزول قرآن فيه، ولا فيه من رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png سنّة، وهو عليّ ومن معه. » فأما أصحاب عليّ فتحركوا. وقام عليّ فقال: « إنّ الذي ندعو إليه من إقرار هؤلاء هو شرّ، وهو خير من شرّ منه وهو كامن، وقد كاد يبين لنا، وجاءت الأحكام من المسلمين بإيثار أعمّهما منفعة وأحوطهما. » وأقبل كعب بن سور، فقال: « ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم؟ اقطعوا هذا من العنق. فقالوا: « يا كعب! إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس، وإنّ الشيء يحسن عندنا اليوم، ويقبح عند إخواننا. فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم، وإنّا لنحتجّ عليهم بالحجة، فلا يرونها حجة، ثم يحتجون بها على أمثالنا. ونحن نرجو الصلح إن أجابونا إليه، وإلّا فإنّ آخر الداء الكيّ. »
ذكر فتوى لعلي بن أبي طالب http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png في تلك الحال
وقام إلى عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png جماعة من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، وسألوه: ما الذي يرى.
فقال عليّ: « الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا، ويضع حربهم. فقد أجابونى. » قالوا: « فإن لم يجيبوا؟ » قال: « تركناهم ما تركونا. »
قالوا: « فإن لم يتركونا؟ » قال: « دفعناهم عن أنفسنا. » وقام إليه أبو سلامة الدلاني فقال: « أترى لهؤلاء القوم حجّة في ما اجتمعوا له وطلبوه من هذا الدم؟ » قال: « نعم. » قال: « فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ » قال: « نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يدرك، فالحكم فيه أحوطه وأعمّه نفعا. » فقال: « ما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ » قال: « إني لأرجو ألّا يقتل أحد منّا ومنهم تقيّ قلبه لله بما يصنع، إلّا دخل الجنة. »
علي يخطب سائلا كف الألسن والأيدى
وقام عليّ فخطب وقال: « أيها الناس! كفّوا ألسنتكم عن هؤلاء وأيديكم، فإنهم إخوانكم، وإياكم أن تسبقونا. فإنّ المخصوم من خصم اليوم. »
ثم ارتحل على تعبئة، حتى إذا أطلّ على القوم بعث إليهم: « إن كنتم على ما فارقتم القعقاع بن عمرو، فكفّوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر. »
فأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال.
قال: فكنّا نرسل إليهم وندعوهم. وبعث عليّ تلك العشيّة عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير. وبعثا هما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ وأن يكلّم كل واحد صاحبه.
فأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذين ساروا إلى عثمان، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وباتوا على الصلح بليلة لم يبيتوا بمثلها سرورا بالعافية مما أشرفوا عليه، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إمضاء ما كانوا همّوا به من إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا به خوفا من أن يفطن لهم. فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم. فانسلّوا انسلالا وعليهم ظلمة. فخرج مضريّهم إلى مضريّهم، وربعيّهم إلى ربعيّهم، ويمانيّهم إلى يمانيّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فتنادى أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين نهنهوهم. وخرج طلحة والزبير، ووجوه الناس من مضر، وبعثا إلى الميمنة والميسرة فعبّوهما، وقالا: « ما هذا؟ » قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا. فقالا: « قد علمنا أنّ عليّا غير منته حتى يسفك الدماء ويستحلّ الحرمة، وأنه لن يطاوعنا. »
ورجعا بأهل البصرة [ وقصف أهل البصرة أولئك ] حتى ردّوهم إلى عسكرهم. فسمع عليّ وأهل الكوفة الصوت. وقد كان ابن السوداء، والأشتر، وأصحابهما قد وضعوا رجلا قريبا من عليّ، ووصّوه بما يريدون. وقالوا: « إذا سمعت عليّا يسأل عن الخبر، فتقدّم وقل كيت وكيت. » فلما قال علي: « ما هذا؟ » قال ذلك الرجل: « ما فجئنا إلّا وقوم منهم قد بيّتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبوا وثار الناس. » وقال عليّ لصاحب ميمنته: « ايت الميمنة. » وقال لصاحب ميسرته: « ايت الميسرة. » وقال: « فلقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدم ويستحلّا الحرمة، وأنهما لن يطاوعانا. » والسبائية لا تفتر [ إنشابا ].
فنادى عليّ: « يا أيها الناس كفّوا، فلا شيء! » وكان يحبّ أن يبدأ لتكون الحجّة على القوم.
وخرج الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين قد بعثوا حرقوص بن زهير إلى عليّ، فقال:
« يا عليّ، إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدا، إنّك تقتل رجالهم وتسبى نساءهم. » فقال: « ما مثلي يخاف هذا منه. فهل أنت مغن عني قومك؟ » قال: « نعم. واختر مني واحدا من اثنين: إما أن آتيك، فأكون معك بنفسي، وإما أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف. »
قال: « بل اكفف عني عشرة آلاف سيف. » فرجع، ودعا قومه إلى القعود والكفّ، ففعلوا.
ما جرى بين علي وطلحة والزبير من حديث
ثم إن الزبير خرج على فرس له، على سلاح، فقيل لعليّ: « هذا الزبير. » قال: « أما إنه أحرى الرجلين إن ذكّر بالله أن يذكر. » وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ، ودنا منهما حتى اختلف أعناق دوابّهما فقال عليّ: « لعمري لقد أعددتما سلاحا، وخيلا، ورجالا إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتقيا الله، ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها من بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا ألم أكن أخا لكما في دينكما تحرّمان دمى وأحرّم دمكما؟ فهل من حدث أحلّ لكما دمى؟ » قال طلحة: « ألّبت على عثمان. » قال عليّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. يا طلحة، تطلب بدم عثمان، فلعن الله أشدّنا كان عليه. يا زبير! أتذكر يوم مررت مع رسول الله http://upload.wikimedia.org/wikisour...%D9%85.svg.png في بنى غنم، فنظر إليّ وضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله: مه! إنّه ليس كذلك، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم؟ » فقال: « اللهم نعم. ولو ذكرت، ما سرت مسيري هذا. والله لا أقاتلك أبدا. » فانصرف عليّ، وحكى ذلك لأصحابه. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: « ما كنت في موطن مذ عقلت وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا. » قالت: « ما تريد أن تصنع؟ » قال: « أريد أن أدعهم وأذهب. » قال له ابنه عبد الله: « جمعت هذين الغارّين حتى إذا جرّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب. أحسست رايات بن أبي طالب وعلمت أنها فتية أنجاد. » فغضب الزبير حتى أرعد، ثم قال: « ويحك! إني قد حلفت ألّا أقاتله. » قال: كفّر عن يمينك.
فدعا غلاما له يقال له: مكحول، فأعتقه. فقال عبد الله بن سليمان التيميّ:
لم أر كاليوم أخا إخوان ** أعجب من مكفّر الأيمان
بالعتق في معصية الرحمن
وإنّما حكينا هذه الحكاية، لأنّ فيها تجربة تستفاد، وإن ذهب ذلك على قوم، فإنّا ننبّه عليه، وذلك أنّ المحنق ربما سكّن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزور من الكلام، وذلك بحسب تأتّى من يريد ذلك، وإتيانه من وجهه.
-
ما يحفظ من كلام الأحنف في الاعتزال وحض الناس عليه
إنّه لما رجع من عند عليّ لقيه هلال بن وكيع، وهو سيّد رهطه، فقال: « ما رأيك؟ » قال: « مكاتفة أمّ المؤمنين. أفتدعنا؟ وتعزل عنّا؟ وأنت سيّدنا؟ » قال: « إنّما أكون سيدكم غدا إذا قتلت وبقيت. » فقال هلال: « سبحان الله، تقول هذا وأنت شيخنا؟ » فقال: « أنا الشيخ المعصيّ وأنت الشابّ المطاع. » ولما ابتدأ القتال قال عليّ لأصحابه ابتداء القتال: « أيكم يعرض عليهم هذا المصحف ويدعوهم إلى ما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى، فإن قطعت أخذه بأسنانه؟ » فقال فتى شابّ: « أنا. » فطاف على أصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلّا ذاك الفتى.
فقال له عليّ: « اعرض عليهم هذا وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، فالله الله في دمائنا ودمائكم. » فحمل القوم على الفتى وبيده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قتل. فقال عليّ لأصحابه: « قد طاب لكم الضراب. » فقاتلوهم، فالتحمت الحرب، واشتدّ القتال إلى العصر. ثم انهزم أصحاب الجمل وعائشة يومئذ في هودجها على الجمل الذي يقال له: « عسكر ». وانهزم الزبير نحو وادي السباع، وتشاغل الناس عنه، واتبعه قوم. فلما رأى الفرسان تتبعه، كرّ عليهم. فلما عرفوه رجعوا عنه، وتركوه. وكان عليّ وصّاهم ألّا يتبعوا مدبرا، ولا يجهزوا على جريح.
وأصاب طلحة سهم، فشكّ ركبته بصفحة الفرس، فامتلأ موزجه دما وضعف.
فانتهى إلى القعقاع في نفر وهو يقول: « إليّ عباد الله! الصبر الصبر. »
فقال له: « يا با محمد! إنك لجريح، وإنك عما تريد لعليل، فادخل الأبيات. » فقال: « يا غلام! أدخلنى، وأبغنى مكانا. » فأدخل ومعه غلام ورجلان. واقتتل الناس بعده، وأقبل الناس في هزيمتهم.
فلما انتهوا إلى الجمل، عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا، وعادوا في أمر جديد، ووقفت الميمنة والميسرة.
وقالت عائشة لكعب بن سور وهو آخذ خطام الجمل: « يا كعب: خلّ عن البعير، وتقدّم بكتاب الله، فادعهم إليه. » ودفعت إليهم مصحفا. فاستقبلهم بالمصحف.
وكانت السبائية أمام الناس يخافون أن يجرى الصلح. فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليّ يزعهم، ويأبون إلّا إقداما، فرشقوا كعبا رشقا واحدا، فقتلوه، ورموا الهودج. فجعلت عائشة تنادي: « البقية، البقية يا نبي الله! » فيأبون إلّا إقداما.
أول ما أحدثته عائشة
فكان أول ما أحدثته عائشة حين رأت الناس يأبون إلّا قتالها أن قالت: « أيها الناس! العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. » وأقبلت تدعو، وضجّ أهل البصرة بالدعاء. وسمع عليّ الدعاء، فقال: « ما هذه الضجّة؟ » قالوا: « عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان. » فأقبل عليّ يدعو ويقول: « اللهمّ العن قتلة عثمان وأشياعهم. »
وذمرت عائشة الناس لما رأت أنّ الناس لا يريدون غيرها ولا يكفّون.
فازدلفت مضر البصرة، فقصفت مضر الكوفة حتى زوحم عليّ. فكانت الحرب صبيحة هذا اليوم مع طلحة والزبير، فلما انهزم الزبير، وأصيب طلحة، وذلك بعد الظهر، صارت الحرب مع عائشة.
قال محمد بن الحنفية: دفع أبي إليّ اللواء، وقال: « احمل! » فحملت حتى لم أر موضعا لحملة - وقد كان زوحم عليّ.
فنخس عليّ قفا محمد، وقال: « تقدّم! » وقال: فلم أجد متقدما إلّا على سنان فقلت: « لا أجد متقدّما. » فتناول الرمح من يدي متناول لا أدري من هو. فنظرت، فإذا أبي بين يديّ. و [ اقتتلت ] المجنّبتان حين تزاحفتا قتالا يشبه ما فيه القلبان، وارتجز الفرسان، وكثر القتلى وتنادى الكماة في عسكر عليّ وعسكر عائشة، لما رأوا الصبر الشديد: « يا أيها الناس! طرّفوا إذا فرغ الصبر ونزع النصر. » فجعلوا يتوخّون الأطراف: الأيدى والأرجل، فما رأيت وقعة قطّ قبلها ولا بعدها، ولا سمع بها، أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها، لا يدرى صاحبها.
فكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب بشيء من أطرافه استقتل [ إلى أن يقتل ].
ونادت عائشة من هودجها بصوت عال فيه كسرة: « إيه، لله أنتم. جالدوا جلادا يتفادى منه، بخّ بخّ، سيوف أبطحية، وسيوف قرشية. » ونادت بنو ضبّة: « ويها جمرة الجمرات. » وأحدقوا بجملها حتى أسرع فيهم القتل ورقّوا. وكانت عائشة تقول: « ما زال رأس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبّة حولي. » وضربوا ضربا ليس بالتقدير، حتى إذا كثر القتلى وظهر في العسكر التطريف كره بعضهم بعضا، وارتدّت المجنّبتان، فصارتا في القلب. ثم تلاقوا جميعا بقلبيهم. فأخذ ابن يثربى برأس الجمل، وارتجز وادّعى قتل علباء بن الهيثم، وزيد بن صوحان، وهند بن عمرو، فقال:
أنا لمن ينكرنى ابن يثربى ** قاتل علباء وهند الجمل
وزيد صوحان على دين عليّ
فناداه عمار: « لقد لذت بحريز وما إليك من سبيل، فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إليّ. » فترك الزمام، وبرز حتى كان بين صفّ عائشة وصفّ عليّ، وأقبل إليه عمار، وهو يومئذ ابن تسعين سنة وقد شدّ وسطه بحبل، وعليه فرو. فضربه ابن يثربى فنحا له درقته، فنشب السيف فيها، وأسفّ عمار لرجليه، فضربه فقطعما، فوقع على استه، وحماه أصحابه فارتثّ بعد، فأتى به عليّ بن أبي طالب. فقال: « استبقني يا أمير المؤمنين. » فقال: « بعد ثلاثة تضرب وجوههم بسيفك؟ » وأمر به، فضربت عنقه.
وتتابع الناس على زمام الجمل حتى قتل أربعون رجلا يرتجزون ويأخذون الخطام فيقتلون. فحدّث عبد الله بن الزبير قال: أمسيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قطّ، ما ينهزم منّا أحد وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلّا قتل.
فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: « من أنت؟ » قلت: « ابن الزبير. » قالت: « وثكل أسماء. » ومرّ بي الأشتر، فعرفته، وعانقته، وسقطنا جميعا، وناديت: « اقتلوني ومالكا. » فجاء ناس منّا، فقاتلوا عنّا حتى تحاجزنا، وضاع مني الخطام. فسمعت عليّا وهو ينادى: « اعقروا الجمل، فإنّه إن عقر تفرّقوا. » فضربه رجل، فسقط، فما سمعت قطّ أشدّ من عجيج الجمل.
وفي رواية أبي بكر بن عيّاش عن علقمة أنه قال: قلت للأشتر: « قد كنت كارها لقتل عثمان، فما أخرجك بالبصرة؟ » قال: « إنّ هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا، وكان ابن الزبير هو الذي هزّ عائشة على الخروج، فكنت أدعو الله أن يلقّينيه، فلقيني كفّة لكفّة. فما رضيت لشدّة ساعدي أن قمت في الركاب، فضربته ضربة على رأسه فصرعته. » قلت: « فهو القائل: اقتلوني ومالكا؟ » قال: « لا. ما تركته وفي نفسي منه شيء. ذاك عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، لقيني، فاختلفنا ضربتين، فصرعنى وصرعته، فجعل يقول: نحن مصطرعون، اقتلوني ومالكا، والناس لا يعلمون من مالك، فلو يعلمون لقتلوني. » ثم قال أبو بكر بن عيّاش: « هذا كأنك شاهده. » وتحدّث عوف بن أبي رجاء قال: رأيت رجلا قد اصطلمت أذنه فقلت: « أخلقة، أم شيء أصابك؟ » قال: « أحدّثك: بينا أنا امشى بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله، وهو يقول:
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا ** ولم ننصرف إلّا ونحن رواء
قال: قلت: « يا عبد الله قل: لا إله إلّا الله. » قال: « أدن مني، ولقّنّى، فإنّ في أذنى وقرا. » قال: فدنوت منه، فقال لي: « ممن أنت؟ » قلت: « رجل من أهل الكوفة. » قال:
فوثب عليّ، واصطلم أذنى كما ترى وقال: « إذا رجعت إلى أمّك، فأخبرها أن عمير بن الأهلب الضبي فعل بك هذا. » وتمام أبيات عمير بن الأهلب:
أطعنا بنى تيم بن مرّة شقوة ** وهل تيم إلّا أعبد وإماء
لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه ** وشيعتها مندوحة وغناء
وروي عن الصعب بن عطيّة قال: كان منّا رجل يدعى الحارث، قال يومئذ: « يا آل مضر، علام نقتل بعضنا بعضا؟ » فنادوا: « لا ندري، إلّا أنّا إلى قضاء. » وما يكفّون.
وقال القعقاع بعد ذلك: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفّين. لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا، ونتكئ على أزجّتنا، وهم مثل ذلك، حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم.
وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى [ فنيت ] وتطاعنّا بالرماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سيّرت عليها الخيل لسارت. ثم قال عليّ: « السيوف يا أبناء المهاجرين. » قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد بالبصرة وسمعت صوت القصّارين يضربون إلّا ذكرت ذلك اليوم، وما شبّهت هودج عائشة إلّا بالقنفذ.
-
حمل الهودج من بين القتلى
ثم أمر عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png، بحمل الهودج من بين القتلى. وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه إلى جنب البعير. فأقبل محمد بن أبي بكر ومعه عمّار حتى احتملاه، وأدخل محمد يده. فقالت: « من أنت، ويلك؟ » قال: « أنا أخوك محمد. » قالت: « بل مذمّم! » قال: « يا أخيّة! هل أصابك شيء؟ » قالت: « ما أنت من ذاك؟ » قال: « فمن إذا الضّلّال؟ » قالت: « بل الهداة. » وانتهى إليها عليّ فقال: « كيف أنت أمّه؟ » قالت: « بخير. » قال: « يغفر الله لك. » قالت: « ولك. » وأما الزبير فإنه تبعه ابن جرموز فقتله. وأما الأحنف فقصد عليّا ومعه ابن جرموز.
فقال عليّ للأحنف: « تربّصت. » فقال: « ما كنت أرانى إلّا قد أحسنت، وبأمرك كان أمير المؤمنين، فارفق، فإنّ طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحسانى، واستصف مودّتى، ولا تقولنّ مثل هذا. فإني لم أزل لك ناصحا. » وحملت عائشة إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي. وكان عبد الله هذا قتل يوم الجمعة مع عائشة، وقتل عثمان أخوه مع عليّ. وأما الجرحى فإنهم انسلّوا في جوف الليل، ودخلوا البصرة من كان يطيق الانبعاث.
وسألت عائشة عن عدة ممن كانوا معها وممن كانوا عليها. فكلّما نعى واحد منهم قالت: « رحمه الله. » فأما عليّ فصلّى على قتلى هؤلاء، وجمع الأسلاب إلى المسجد بالبصرة، ونادى: « من عرف شيئا فليأخذه، إلّا سلاحا كان في الخزائن عليها سمة السلطان. » وصلّى عليّ في المسجد، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس. ثم راح إلى عائشة على بغلته، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة. فوجدوا النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وصفيّة بنت الحارث مختمرة تبكى، فلمّا رأته قالت: « يا عليّ، يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله. » فلم يردّ عليها شيئا، ولم يزل على حاله، حتى دخل على عائشة. فسلّم عليها، وقعد عندها. ثم قال: « جبهتنا صفيّة. أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم. » فلما خرج عليّ أقبلت عليه، فأعادت عليه الكلام. فكفّ بغلته ثم قال: « لهممت - وأشار إلى باب من أبواب الدار - أن أفتح هذا الباب وأقتل من فيه، ثم هذا، وأقتل من فيه. » وكان ناس من الجرحى لجأوا إلى عائشة. فأخبر عليّ بمكانهم فتغافل عنهم.
فسكتت صفيّة، وخرج عليّ.
فقال له رجل من الأزد: « ما تفلتنا هذه المرأة. » فغضب وقال: « مه! لا تهتكنّ سترا، ولا تدخلنّ دارا، ولا تهيجنّ امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعاف. ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهنّ مشركات، وإنّ الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب، فيعيّر به عقبه من بعده. فلا يبلغنّى عن أحد عرض لامرأة، فأنكّل به شرار الناس. » ومضى عليّ، فلحق به رجل فقال: « يا أمير المؤمنين، قام رجلان ممن لقيت على الباب فتناولا من هو أمضّ لك شتيمة من صفيّة. » قال: « ويحك، لعلّها عائشة! » قال: « نعم. » فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب. فأقبل بمن كان عليه. فأحالوا على رجلين.
فقال: « أضرب أعناقهما.. » ثم قال: « بل أنهكهما عقوبة.. » ثم قال: « لا، بل أضربهما مائة أخرجهما من ثيابهما. » ثم بايع أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنة. فلما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فإذا فيه ستمائة ألف. فقسمها على من شهد معه. فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة.
فقال لهم: « لكم إن أظفركم الله بالشام، مثلها إلى أعطياتكم. » فخاض في ذلك السبائية وطعنوا على عليّ من وراء وراء.
سيرة علي في من قاتل يوم الجمل
وكان من سيرة عليّ ألّا يقتل مدبرا، ولا يذفّف على جريح، ولا يكشف سترا، ولا يأخذ مالا.
فقال قوم يومئذ: « ما يحلّ لنا دماءهم، ويحرّم علينا أموالهم؟ » فقال عليّ: « القوم أمثالكم. من صفح عنّا فهو منّا ونحن منه، ومن لجّ حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر، وإنّ لكم في خمسه لغنى. » فيومئذ تكلّمت الخوارج.
وكتب كتاب البشارة إلى عامله بالمدينة. وكان زياد بن أبي سفيان ممّن اعتزل. فلمّا انجلت الحرب، ذكره عليّ، واستبطأه. فقال ابن أخيه عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكان ورد مستأمنا: « هو مستأمن يا أمير المؤمنين. » فقال: « امش أمامى، فاهدني إليه. » ففعل. فلمّا دخل عليه قال: « تقاعدت وتربّصت. » فاعتذر زياد. فقبل عذره، واستشاره في من يولّيه البصرة، وأراده عليها. فقال: « يا أمير المؤمنين، رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس، فإنّه أجدر أن يطمئنّوا إليه، وسأكفيه وأشير عليه. » فافترقا على ابن عبّاس، وولّى زيادا الخراج وبيت المال.
السبائية ترتحل بغير إذن علي
وأعجلت السبائية عليّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه. فارتحل على آثارهم ليقطع عنهم أمرا إن كانوا أرادوه. وقد كان له مقام لولاهم.
وكان عدّة القتلى يوم الجمل عشرة آلاف من الفريقين.
وتحدّث الناس: إنّ أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس، وفيه كان القتال، وذلك من نسر مرّ بماء حول المدينة معه شيء متعلّق، فتأمّله الناس، فوقع، فإذا كفّ فيها خاتم نقشه: « عبد الرحمن بن عتّاب ». ثم جعل من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد، قد علموا بالوقعة مما تنقل إليهم النسور من الأيدى والأقدام.
تجهيز علي عائشة
وجهّز عليّ عائشة لغرّة رجب سنة ستّ وثلاثين بكلّ شيء ينبغي لها، وأخرج معها كلّ من نجا ممن خرج معها إلّا من أحبّ المقام. واختار من نساء البصرة المعروفات أربعين امرأة، وأمر أخاها محمدا بالخروج معها، وخرج في تشييعها أميالا، وسرّح بنيه معها يوما.
ما جرى بين معاوية وقيس
وكان عليّ بن أبي طالب ولّى قيس بن سعد بن عبادة مصر لما قتل عثمان، فسار إليها، وبايع أهلها لعليّ بن أبي طالب، ودارى الناس. فاستجاب له أهل مصر إلّا أهل قرية يقال لها: « خرنبا »، فإنّ أهلها أعظموا قتل عثمان، وكانوا نحو عشرة آلاف رجل من الوجوه الفرسان فكره قيس أن يهيّجهم، فراسلهم قيس وراسلوه يقولون: « إنّا لا نقاتلك، فابعث عمّالك، فالأرض أرضك، ولكن دعنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس. » فأمسك عنهم، وأرسل إليهم عمّاله، فجباهم، ثم توثّب عليه قوم بمصر، فداراهم. وكان قيس ذا حزم ورأى. فجبى الخراج لا ينازعه أحد.
وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى أرض الكوفة من البصرة وهو بمكانه. فكان أثقل خلق الله على معاوية لقربه من الشام مخافة أن يقبل إليه عليّ في أهل العراق ويقبل إليه قيس في أهل مصر فيقع معاوية بينهما.
فكتب إليه معاوية وعليّ بن أبي طالب بالكوفة يومئذ، يعظّم عليه قتل عثمان، ويذكر له أنّ صاحبه أغرى به الناس، وحملهم على قتله، ويحمل قيسا على متابعته، ويضمن له سلطان العراقين إذا ظهر، ما بقي، ويشترط له سلطان الحجاز يولّيه من شاء من أهله، ويقول له بعد ذلك: « وسلني غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألنى شيئا إلّا أجبتك إليه. » فأجابه قيس بالاعتذار من قتل عثمان، وأنّه لم يشهده ولا صاحبه أمير المؤمنين، ولا رضيه، واستمهله مما عرض عليه من متابعته، وقال: « لي فيه نظر ورأى. » فلما نظر في كتابه معاوية وقرأه لم يره إلّا مباعدا، ولم يأمن أن يكون مكايدا، فكتب كتابا آخر يقول له: « لم أرك تدنو فأعدّك سلما، ولم أرك تباعد فأعدّك حربا، وليس مثلي من يصانع بالخداع ومعي أعنّة الخيل، وعدد الرجال. » فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة، أظهر له ذات نفسه
وكتب إليه: « العجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك رأيي، تسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحقّ، وأقربهم إلى الرسول، وأهداهم سبيلا، وتأمرنى بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلّهم سبيلا، وأبعدهم من الله ورسوله وسبيله، ولد ضالّين مضلّين، طاغوت من طواغيت إبليس، فأما قولك: إني مالئ عليك خيلا ورجلا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمّ إليك، إنّك لذو جدّ والسلام. » فلما أتى معاوية كتاب قيس بن سعد هذا. يئس منه، وثقل عليه مكانه، وأخذ في طريق الحيلة عليه، والمكيدة له.
-
ذكر مكيدة معاوية لقيس وما تم له عليه
فأخذ معاوية يكيد قيسا من قبل عليّ، فيظهر مرة كتابا يفتعله من قيس إليه بأنه: منكر لقتل عثمان، تائب إلى الله منه، وأنّ هواه وميله معه، في أشياء تشبه هذا الكلام، ومرة يظهر رسولا يزعم: أنّه من قبله ويلقّنه وما يقوّى به قلوب شيعته من أهل الشام، ومرة يقول لثقاته: لا تسبّوا قيس بن سعد، فإنّه لنا شيعة تأتينا نصيحته سرّا، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم من أهل حزبنا يجرى عليهم أرزاقهم. ويؤمن سربهم ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم؟
فسمع جواسيس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وعيونه ذلك، فكتبوا إليه به.
ولم يزل معاوية بأمثال هذا المكائد حتى اتهم عليّ قيسا، وجمع ثقاته، وقال لهم ما كتب إليه من أمر قيس، فقالوا: « يا أمير المؤمنين ما يريبك إلى ما لا يريبك. اعزل قيسا، وابعث بثقتك مكانه. » فقال عليّ: « إني والله ما أصدّق هذا على قيس. » فقال عبد الله بن جعفر: « اعزله يا أمير المؤمنين، فوالله، لئن كان هذا حقّا لا يعتزل لك. » فبينا هم كذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد يخبره: « إنّ رجالا قد سألونى أن أكفّ عنهم وأدعهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويروا، فرأيت أن أكفّ عنهم، وألّا أتعجّل حربهم، فلعلّ الله يعطف بقلوبهم » فقال عبد الله بن جعفر: « يا أمير المؤمنين، ما أخوفنى أن يكون هذا ممالأة منه لهم. فمره بقتالهم. » فكتب إليه عليّ: « أما بعد، فسر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا في ما دخل فيه المسلمون، وإلّا فناجزهم، والسلام. » فلما أتى قيس بن سعد الكتاب، لم يتمالك أن كتب: « أما بعد، يا أمير المؤمنين، فقد عجبت لأمرك بقتال قوم كافّين عنك مفرّغيك لقتال عدوّك، وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوّك. فأطعنى يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإنّ الرأي تركهم. » فلما أتى عليّا كتاب قيس قرأه على أصحابه. فقال عبد الله بن جعفر: « ابعث محمد بن أبي بكر على مصر يكفك، فقد بلغني عن قيس هنات وأقوال. » يعنى ما كان يشيعه معاوية عنه.
فكتب عليّ عهد محمد بن أبي بكر على مصر. فلما قدم محمد مصر، خرج قيس، فلحق بالمدينة. فأخافه مروان والأسود بن البختري حتى إذا خاف أن يقتل، ركب راحلته وطمر إلى عليّ. وبلغ ذلك معاوية، فكتب إلى مروان والأسود يتغيّظ عليهما ويقول: « أمددتما عليّا بقيس بن سعد ورأيه ومكانته، والله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى عليّ. » ولما قدم قيس على عليّ وباثّه، ثم جاءهم قتل محمد بن أبي بكر، عرف أنّ قيس بن سعد كان يدارى أمورا عظاما من المكاره، وأنّ من كان يحمله على عزل قيس لم يكن ينصح له. فأطاع عليّ قيس بن سعد بعد ذلك في الأمر كلّه.
ابتداء وقعة صفين قميص عثمان وأصابع نائلة
وكان أهل الشام قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخضّبا بدمه، وبأصابع زوجته « نائلة »، مقطوعة البراجم: إصبعان منها مع شيء من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما، ونصف الإبهام. فكان معاوية يضع القميص على المنبر، ويعلّق منه الأصابع، ويشنّع به، ويكاتب الأجناد. فثاب إليه الناس وبكوا سنة والقميص بتلك الحال. وآلى رجال من أهل الشام ألّا يأتوا النساء، ولا يمسّهم الماء للغسل إلّا من الاحتلام، ولا يناموا على الفرش، حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء، أو تفنى أرواحهم.
خروج علي بن أبي طالب إلى صفين
وبلغ عليّا خبر معاوية وما يصنعه، فبعث إليه برسل، وخرج من الكوفة، فعسكر بالنخيلة، وقدم عليه عبد الله بن عباس، بمن نهض معه من البصرة، وتهيّأ منها إلى صفّين، واستشار الناس. فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير، فأبى إلّا المباشرة. فجهّز الناس.
وبلغ الخبر معاوية، فدعا عمرو بن العاص واستشاره.
فقال: « إذا بلغك أنه يسير فسر بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. » قال معاوية: « فجهّز الناس. » فخرج عمرو إلى الناس، وحضّضهم وضعّف عليّا وأصحابه وقال: « إنّ أهل العراق قد فرّقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم وقطعوا حدّهم. ثم إنّ أهل البصرة مخالفون لعليّ وقد قتلهم، ووترهم، وتفانت صناديدهم يوم الجمل، وإنما سار عليّ في شرذمة قليلة، منهم من قتل خليفتكم، فالله في حقّكم أن تضيّعوه، وفي دمكم أن تبطلوه. » وبعث عليّ بن أبي طالب زياد بن النضر طليعة في ثمانية آلاف و [ بعث معه ] شريح بن هانئ، ووجّه من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه، وسار بنفسه حتى انتهى إلى الرقّة، وقال لأهلها: « اجسروا لي جسرا حتى أعبر من هذا المكان إلى الشام. » فأبوا. وكانوا ضمّوا إليهم السفن. فنهض عليّ من عندهم ليعبر من جسر منبج، وخلّف عليهم الأشتر، ورحل ليمضى بالناس ويعبر بهم.
فنادى الأشتر: « يا أهل هذا الحصن، إليّ، إني أقسم بالله، لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم جسرا حتى يعبر، لأجرّدنّ فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال، وأخر بنّ الديار، ولأنهبنّ الأموال. » فلقى بعضهم بعضا، فقالوا: « هو الأشتر، ويفي بما حلف عليه، ويأتى بما هو شرّ منه. » فنادوه: « نعم، إنّا ناصبون لكم جسرا، فأقبلوا. » فجاء عليّ، فنصبوا له الجسر، فعبر عليّ بالأثقال والرجال. ثم أمر عليّ الأشتر، فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلّا عبر، ثم عبر آخر الناس رجلا.
فأما زياد بن النضر وشريح بن هانئ، فسارا أمام عليّ - كما ذكرنا - من الكوفة، آخذين على شاطئ الفرات من قبل البرّ مما يلي الكوفة، حتى بلغا عانات، فبلغهما [ أخذ عليّ ] على طريق الجزيرة، وإنّ معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشام، فقالا: « والله ما هذا لنا برأى: أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر، ومالنا خير في أن نلقى جنود الشام بقلّة من معنا منقطعين من المدد.
فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عنهم السفن. فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ثم لحقوا عليّا، فقال http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png: مقدّمتى تأتينى من ورائي! » فتقدّم إليه زياد وشريح، وأخبراه بما رأيا. فقال: « سدّدتما. »
ثم مضى. فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه. وأرسل معاوية أبا الأعور السّلمى في جند عظيم من أهل الشام، فأرسلا إلى عليّ: « إنّا قد لقينا أبا الأعور السّلمى في جمع من أهل الشام ودعوناهم، فلم يجبنا منهم أحد، فمرنا بأمرك. » وكان عليّ أمرهما ألّا يبدءا بقتال حتى يدعوا إلى الحقّ، ويكون مبدأ القتال من غيرهما. فأرسل عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png الأشتر، فقال: « يا مال، إنّ زيادا وشريحا أرسلا إليّ أنهما لقيا أبا الأعور السلمى في جمع من أهل الشام، وأخبرني الرسول أنهم متواقفون، فالنجا إلى أصحابك النجا، فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأهم، ولا يجر منّك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم مرة بعد مرة، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم بعد من يهاب الناس، حتى أقدم عليك، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله. » وكتب إلى زياد وشريح بالسمع له والطاعة. فخرج الأشتر، والتقى مع القوم، وكفّ عن القتال إلى أن حمل أبو الأعور، فثبتوا له. ثم انصرف أهل الشام في تلك الليلة لما أدركهم المساء، وأقبل من الغد، وجاء الأشتر من المكان الذي كان فيه، ولم يزل يزحف حتى وقف في المكان الذي كان فيه بالأمس أبو الأعور.
فقال الأشتر لسنان بن مالك: « انطلق إلى أبي الأعور، فادعه إلى المبارزة. » فقال: « إلى مبارزتي، أو إلى مبارزتك؟ » فقال الأشتر: « لو أمرتك بمبارزته فعلت؟ » قال: « نعم، والله لو أمرتنى أن أعترض صفّهم بسيفي، ما رجعت حتى أضرب فيهم بسيفي. » فقال له الأشتر: « يا ابن أخي، أطال الله بقاءك، قد - والله - ازددت فيك رغبة. لا، ما أمرتك بمبارزته، وإنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي. إنّه لا يبرز إلّا لذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت - ولربّك الحمد - من أهل الشرف والكفاءة، غير أنك في حدث السنّ. وليس [ هو ] بمبارز الأحداث، ولكن ادعه إلى مبارزتي. » فأتاه ونادى: « آمنونى، فإني رسول. » فأومن حتى جاء إلى أبي الأعور.
قال: فدنوت منه وقلت « إنّ الأشتر يدعوك إلى المبارزة. » قال: فسكت عني طويلا ثم قال: « إنّ خفّة الأشتر، وسوء رأيه حمله على إجلاء عمّال عثمان بن عفّان من العراق، ومن خفّة الأشتر أن سار إلى بن عفّان في داره حتى قتله في من قتله، فأصبح متبعا بدمه. ألا، لا حاجة لي في مبارزته. » قال: قلت له: « إنّك قد تكلّمت، فاسمع مني أجبك. » قال: « لا حاجة لي في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عني. » وصاح بن أصحابه، فانصرفت عنه، ولو سمع إليّ لأجبته بحجّة صاحبي.
فرجعت إلى الأشتر، فأخبرته أنه قد أبي المبارزة. فقال: « لنفسه نظر. »
-
لقتال على الماء
وأقمنا متحاجزين يوما ونتحارس ليلتنا. فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم، ويصبّحنا عليّ غدوة. فقدّم الأشتر في من كان معه في تلك المقدمة. وجاء عليّ في أثره حتى لحق بالأشتر وانتهى إلى معاوية.
قال: فلمّا انتهينا إلى معاوية وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفيح، قد اختاره قبل قدومنا، إلى جانب شريعة الفرات، ليس في ذلك الصقع كلّه شريعة غيرها، وجعلها في حيّزه، وبعث عليها بأبي الأعور يمنعها ويحميها.
قال: فارتفعنا على الفرات رجاء أن نجد شريعة غيرها نستغني بها عن شريعتهم، فلم نجدها.
قال: فأتينا عليّا، فأخبرناه بعطش الناس، وقال له الأشتر: « إنّ القوم قد سبقوك إلى الشريعة وإلى سهولة المنزل، فإن رأيت سرنا حتى نجوزهم إلى القرية التي خرجوا منها، فننزل في منزلهم، فإنهم يشخصون في إثرنا، فإذا لحقونا نزلنا فكنّا [ نحن ] وهم على السواء. » فكره ذلك عليّ وقال: « ليس كل الناس يقوى على المسير. » ونزل بهم، فقال عليّ: « قاتلوهم على الماء. » وبعث إلى معاوية برسول يقول: « إنّا سرنا إليك، ومن رأينا الكفّ، إلى أن تنظر لنفسك، وننظر، وامتنعنا من قتالك، فبدأتنا، وهذا الماء تمنعنا منه، فخلّ بين الناس وبين الشريعة حتى ننظر، وإن كان الأعجب إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء، حتى يكون الغالب هو الشارب. » فقال معاوية لأصحابه: « ما ترون؟ » فأما أكثر الناس قال: « ولا نعمى عين، نمنعهم الماء كما منعوه عثمان، فإن رجعوا كان ذلك فلّا لهم. »
فقال عمرو: « خلّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يعطشوا [ وأنت ريّان ] ولكن بغير الماء، فانظر في ما بينك وبينهم. » فارتفع الصياح من كل جانب: « امنعوهم الماء، منعهم الله يوم القيامة. » وكان الرسول صعصعة بن صوحان، فقال صعصعة: « إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة، والفسقة شربة الخمر: ضربكم من الناس. » فتوثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه.
فقال معاوية: « كفّوا عن الرجل فإنه رسول. » قال صعصعة: « فخرجت من عنده ومن رأيه منع الماء. فما انتهيت إلى عليّ حتى رأيت الخيل تسرّب إلى أبي الأعور ليكفّنا عن الماء. فأبرز [ نا ] عليّ إليهم وقال: « قاتلوهم على الماء. » فارتمينا، ثم اطّعنّا، ثم تجالدنا بالسيوف، إلى أن انهزموا، وصار الماء في أيدينا.
قال: فقلنا: « لا والله، لا نسقيهموه بعد أن غلبنا عليه بالسيف. » فأرسل إلينا عليّ أن: « خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخلّوا عنهم، فإنّ الله قد نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم. » ثم أقبل عليّ يأمر ذا الشرف من الناس، فيخرج ومعه جماعة، ويخرج معاوية إليه مثله، فيقتتلان في خيلهما، ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجميع [ أهل ] العراق أهل الشام لما يتخوّفون أن يكون في ذلك من الاستيصال والهلاك، إلى أن [ تقضّى شهر ذى ] الحجة.
فلما دخل المحرّم توادع عليّ ومعاوية إلى انقضائه طمعا في الصلح، وتردّدت الرسل، وطال الكلام بينهما، فما استقام بينهما الصلح. وانقضى المحرّم فأمر عليّ مرثد بن الحارث الجشميّ، فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: « ألا، إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إني استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حقّ، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. » ففزع أهل الشام إلى أمرائهم، وخرج معاوية وعمرو في الناس يكتّبان الكتائب، ويعبّئان الناس، وأوقدوا النيران، وبات عليّ ليلته كلّها يعبّئ الناس، ويكتّب الكتائب، ويدور في الناس، ويحرّضهم.
من وصايا علي لأصحابه يوم صفين
وكان في ما يوصّيهم:
« إذا قاتلتموهم وهزمتموهم، فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا إلّا بإذن، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلّا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعيفات القوى ».
كان هذا كلامه في يوم الجمل، وصفّين، ويوم النهروان، وكان يحرّض فيقول:
« عباد الله، غضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم على المنازلة والمبارزة، والمبالطة، والمعانقة، واثبتوا، واذكروا الله كثيرا، لعلّكم تفلحون، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، واصبروا إنّ الله مع الصابرين، اللهمّ ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر. »
اقتتلوا ولكل فئة أحد عشر صفا
ولما أصبح عليّ في ميمنته وميسرته، ومعاوية في مثل ذلك، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم. فكان المعقّلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصفون أحد عشر صفا، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا. فخرجوا أول يوم من صفر، واقتتلوا، وعلى من خرج يومئذ من الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا عامة نهارهم. ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض. فلما كان اليوم الثاني، خرج هاشم بن المرقال. وخرج إليه أبو الأعور السلمى في خيلهما ورجالهما، فاقتتلوا عامة نهارهم، وصبر بعضهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر. وخرج إليه عمرو بن العاص في خيلهما ورجلهما فاقتتلوا كأشدّ ما يكون القتال، وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل، فأمره عمار أن يحمل، فحمل في خيله وصبر له الناس، وشدّ عمار في الرجال، فأزال ابن العاص عن موقفه، ثم انصرف كلّ واحد عن صاحبه وتراجع الناس.
وخرج اليوم الرابع محمد بن عليّ، وهو ابن الحنفية، فخرج إليه عبيد الله بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال. فأرسل عبيد الله إلى ابن الحنفية، أن: « اخرج إليّ! » فقال: « نعم! » وخرج يمشى. وبصر به عليّ، فقال: « من هذان المتبارزان؟ » فقيل له: « ابنك وعبيد الله بن عمر. » فحرّك دابّته، ثم نادى محمدا، فوقف له. فقال: « أمسك دابتي! » فأمسكها. ثم مشى إليه عليّ وقال: « أبرز [ لك ]، فهلمّ إليّ! » فقال: « ليست لي في مبارزتك حاجة. » قال: « بلى، هلمّ! » قال: « لا. » فرجع ابن عمر، وأخذ محمد بن الحنفية يعاتب أباه في منعه، ثم خروجه بنفسه، إلى من ليس [ كفؤا له ] هو ولا أبوه. فجرى بينهما كلام مذكور. ثم تحاجز الناس.
فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن العباس، وخرج إليه الوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودنا ابن العباس من الوليد بن عقبة والوليد يشتم بنى عبد المطلب. فأرسل إليه ابن عباس أن: ابرز لي! فأبى. وقاتل ابن عباس قتالا شديدا، وغشى الناس بنفسه.
وخرج اليوم السادس قيس بن سعد الأنصاري، فخرج إليه ابن ذي الكلاع الحميري، فاقتتلا قتالا شديدا، ثم انصرفا، ذلك بعد قتل كثير في الفريقين.
وخرج الأشتر في اليوم السابع، وعاد إليه حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الثلاثاء، فاقتتلا كأشدّ ما يكون من قتال، ثم انصرفا عند الظهر وكلّ غير غالب.
ثم إنّ عليّا قال: « حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ » فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر، فخطبهم فقال:
« الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، ولو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفّت بيننا في هذا المكان، فلو شاء عجّل النعمة، وكان منه التغيير حتى يكذّب الظالم ويعلم الحقّ أين مصيره، ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة هي دار القرار، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. ألا، إنّكم لاقوا القوم غدا، فاطلبوا وجه الله بأعمالكم، وأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين. »
فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها. ومرّ بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول:
أصبحت الأمّة في أمر عجب ** والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب ** إنّ غدا يهلك أعلام العرب
ولما كان من الليل، خرج عليّ يعبّئ الناس ليلته كلّها حتى إذا أصبح زحف الناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام. فجعل عليّ يقول: « من هذه القبيلة »، و« من هذه الكتيبة؟ » فتنسب له، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم، قال للأزد: « أكفونى الأزد. » وقال لخثعم: « أكفونى خثعم. » وأمر كلّ قبيلة أن تكفيه أختها، وإذا لم يجد لقبيلة منهم أختها سمّى لها قبيلة أخرى. ثم تناهض الناس يوم الأربعاء، فاقتتلوا نهارهم كلّه، وانصرفوا عند المساء وكلّ غير غالب.
حتى إذا كان يوم الخميس، وهو التاسع، صلّى عليّ بغلس، فيقال: إنه لم يغلّس أشدّ من تغليسه يومئذ. ثم خرج بالناس. وكان عليّ http://upload.wikimedia.org/wikipedi...8%A7%D9%85.png يبدأ القوم بالمسير إليهم. فإذا رأوه وقد زحف استقبلوه بوجوههم.
فلما صلّى عليّ، دعا دعاء كثيرا، وقال في آخر دعائه: « اللهمّ إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي، وسدّدنا للحقّ، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة، واعصم بقيّة أصحابي من الفتنة. » ثم خرج وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بديل، والناس على راياتهم وعليّ في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وأكثر من معه من أهل المدينة، الأنصار. ثم زحف إليهم بالجمع.
ورفع معاوية قبّة عظيمة وقد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عظم أهل الشام على الموت، وبعث إلى خيل أهل دمشق، فأحاطت بقبّته، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرّهم إلى قبّة معاوية عند الظهر، وحضّ عبد الله بن بديل أصحابه، وحرّضهم، وذكّرهم بالله، وأثنى عليه، وعضّ من معاوية وسبّه، وقاتل قتالا شديدا، وحضّ عليّ أصحابه.
خطبة في حض على حرب ووصايا فيها
فقال: « إنّ الله قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، وأخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص فسوّوا صفوفكم، وقدّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعضّوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنّه أمور للأسنّة، وغضّوا الأبصار، فإنّه أربط للجأش، وأميتوا الأصوات، فإنّه أطرد للفشل، وأولى بالوقار. راياتكم، فلا تميلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم. أجزأ امرؤ [ وقذ ] قرنة وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيكسب به لائمة ودناءة، وكيف لا، وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك يده قائما ينظر إليه؟ من يفعل ذلك، يمقته الله. قال الله لقوم: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتّعون إلّا قليلا، استعينوا بالصدق والصبر، فإنّ الله ينزل بعد الصبر النصر ».