فانصرف بهبوذ والكرماني بما فارقهما عليه الخبيث، وكتبا به إلى محمد بن عبيد الله، فأصدر جوابه إلى كل ما أراده الخبيث، وجعل يراوغ عن الدعاء له على المنابر. وأقام علي بعد هذا مدة، ثم استعد لمتوث، وسار إليها؛ فرامها فلم يطقها لحصاتها وكثرة من يدافع عنها من أهلها، فرجع خائبًا، فاتخذ سلاليم وآلات ليرقى بها السور، وجمع أصحابه واستعد. وقد كان مسرور البلخي عرف قصد علي متوث، وهو يومئذ مقيمٌ بكور الأهواز. فلما عاود المسير إليها، وسار إليه مسرور، فوافاه قبيل غروب الشمس، وهو مقيم عليها؛ فلما عاين أصحاب علي أوائل خيل مسرور، انهزموا أقبح هزيمة. وتركوا جميع آلاتهم التي كانوا حملوها، وقتل منهم جمع كثير، وانصرف علي بن أبان مدحورًا، ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا حتى تتابعت الأخبار بإقبال أبي أحمد، ثم لم يكن لعلي بعد رجوعه من متوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على أبي أحمد، فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحفزه فيه حفزًا شديدًا بالمصير إلى عسكره.
وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفي.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان غيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبد الله وعدة من أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبد الله الخجستاني عمرو بن الليث وتهمة عمرو بن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخجستاني والحسين بن طاهر، ودعا الحسين والخجستاني لمحمد بن طاهر على نابر خراسان.
ذكر خبر غلبة أبي العباس بن الموفق على سليمان بن جامع

وفيها غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى كور دجلة كعبدسي ونحوها.
ذكر الخبر عن سبب غلبة أبي العباس على ذلك وما كان من أمره وأمر الزنج في تلك الناحية
ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن الزنج لما دخلوا واسطًا وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبل، واتصل الخبر بذلك إلى أبي أحمد بن المتوكل ندب ابنه أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزنج، فخف لذلك أبو العباس. فلما حضر خروج أبي العباس ركب أبو أحمد إلى بستان موسى الهادي في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين، فعرض أصحاب أبي العباس، ووقف على عدتهم؛ فكان جميع الفرسان والرجالة عشرة آلاف رجل في أحسن زي وأجمل هيئة وأكمل عدة، ومعهم الشذا والسميريات والمعابر للرجالة؛ كل ذلك قد أحكمت صنعته. فنهض أبو العباس من بستان الهادي، وركب أبو أحمد مشيعًا له حتى نزل الفرك، ثم انصرف. وأقام أبو العباس بالفرك أيامًا، حتى تكاملت عدده، وتلاحق أصحابه، ثم رحل إلى المدائن، وأقام بها أيضًا، ثم رحل إلى دير العاقول.
قال محمد بن حماد: فحدثني أخي إسحاق بن حماد وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشمي المعروف ببريه، ومحمد بن شعيب الاشتيام، في جماعة كثيرة ممن صحب أبا العباس في سفره - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لما نزل أبو العباس دير العاقول، ورد عليه كتاب نصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذا والسميريات، وقد كان أمضاه على مقدمته، يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافى في خيل ورجالة وشذوات وسميريات، والجبائي يقدمه، حتى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا، وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى نهر أبان برجالة وفرسان وسميريات فرحل أبو العباس حتى وافى جرجرايا، ثم فم الصلح، ثم ركب الظهر، فسار حتى وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف الخبر، فأتاه منهم من أخبره بموافاة القوم وجمعهم وجيشهم، وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفل واسط. فلما عرف ذلك عدل عن سنن الطريق، واعترض في مسيره، ولقى أصحابه أوائل القوم؛ فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغتروا، فأمنعوا في إتباعهم، وجعلوا يقولون لهم: اطلبوا أميرًا للحرب؛ فإن أميركم قد شغل نفسه بالصيد. فلما قربوا من أبي العباس بالصلح، خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل، وأمر فصيح بنصير: إلى أين تتأخر عن هؤلاء الأكلب! ارجع إليهم؛ فرجع نصير إليهم.
وركب أبو العباس سميرية، ومعه محمد بن شعيب الاشتيام، وحف بهم أصحابه من جميع جهاتهم، فانهزموا، ومنح الله أبا العباس وأصحابه أكتافهم؛ يقتلونهم ويطردونهم؛ حتى وافوا قرية عبد الله؛ وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم فيه، وأخذوا منهم خمس شذوات وعدة سميريات، واستأمن منهم قوم، وأسر منهم أسرى، وغرق ما أدرك من سفنهم؛ فكان ذلك أول الفتح على العباس بن أبي أحمد.
ولما انقضت الحرب في هذا اليوم، أشار على أبي العباس قواده وأولياؤه، أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه من الصلح؛ إشفاقًا عليه من مقاربة القوم، فأبى إلا نزول واسط.
ولما انهزم سليمان بن جامع ومن معه، وضرب الله وجوههم، انهزم سليمان بن موسى الشعراني عن نهر أبان؛ حتى وافى سوق الخميس، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير؛ وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم، فقالوا: هذا فتىً حدثٌ؛ لم تطل ممارسته الحروب وتدربه بها، فالرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجتهد في أول لقية نلقاه في إزالته؛ فلعل ذلك أن يروعه، فيكون سببًا لانصرافه عنا. ففعلوا ذلك، وحشدوا واجتهدوا، فأوقع الله بهم بأسه ونقمته. وركب أبو العباس من غد يوم الوقعة، حتى دخل واسطًا في أحسن زي، وكان يوم جمعة، فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة، واستأمن إليه خلق كثير، ثم انحدر إلى العمر - وهو على فرسخ من واسط - فقدم فيه عسكره، وقال: اجعل معسكري أسفل واسط، ليأمن من فوقه الزنج. وكان نصير المعروف بأبي حمزة والشاه بن مكيال أشارا عليه أن يجعل مقامه فوق واسط، فامتنع من ذلك، وقال لهما: لست نازلًا إلا العمر؛ فانزلا أنتم في فوهة بردودًا. وأعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه واستماع شئ من آرائهم؛ فنزل العمر وأخذ في بناء الشذوات، وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم؛ وقد رتب خاصة غلمانه في سميريات فجعل في كل سميرية اثنين منهم، ثم إن سليمان استعد وحشد وجمع وفرق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه: فرقة أتت من نهر أبا، وفرقة من برتماتا، وفرقة من بردودا، فليهم أبو العباس؛ فلم يلبثوا أن انهزموا، فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة بمازروان، وأخذ قوم منهم في برتماتا وآخرون أخذوا الماديان، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان؛ فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر برمساور، ثم انصرف، فجعل يف على القرى والمسالك، ومعه الأدلاء؛ حتى وافى عسكره، فأم به مريحًا نفسه وأصحابه. ثم أتاه مخبرٌ فأخبره أن الزج قد جمعوا واستعدوا لكبس عسكره، وأهم على إتيان عسكره من ثلاثة أوجه، وأهم قالوا: إنه حدث غر يغر بنفسه، وأجمع رأيهم على تكمين الكماء والمصير إليه من الجهات الثلاثة التي ذكرنا، فحذر ذلك، واستعد له، وأقبلوا إليه وقد كمنوا زهاء عشرة آلاف في برتمرتا ونحوًا من هذه العدة في قس هثا. ودموا عشرين سميرية إلى العسكر ليغير بها أهله، ويجيزوا المواضع التي فيها كماؤهم؛ فمع أبو العباس الناس من اتباعهم؛ فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ، خرج الجبائي وسليمان في الشذوات والسميريات، وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه، فأمر نصيرًا المعروف بأبي حمزة أن يبرز للقوم في شذواته، وزل أبو العباس عن فرس كان ركبه، ودعا بشذاة من شذواته وقد كان سماها الغزال، وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافي لهذه الشذاة، وركبها، واختار من خاصة أصحابه وغلمانه جماعة دفع إليهم الرماح، وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه على شاطئ النهر، وقال لهم: لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار، وأمر بتعبير بعض الدواب التي كانت ببردودا، ونشبت الحرب بين الفريين؛ فكانت معركة القتال من حد قرية الرمل إلى الرصافة؛ فكانت الهزيمة على الزج، وحاز أصحاب أبي العباس أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبائي في ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجلين، وأخذت دوابهما بحلالهما وآلتها، ومضى الجيش أجمع لا يثنى أحد منهم حتى وافوا طهيثًا، وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة، ورجع أبو العباس، وأقام بمعسكره في العمر، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذا والسميريات وترتيب الرجال فيها، وأقام الزنج بعد ذلك عشرين يومًا، لا يظهر منهم أحد. وكان الجبائي يجئ في الطلائع في كل ثلاثة أيام وينصرف، وحفر آبارًا فوق نهر سنداد، وصير فيها سفافيد حديد، وغشاها باليواري، وأخفى مواضعها، وجعلها على سن مسير الخيل ليتهور فيها المجتازون بها؛ وكان يوافى طف العسكر متعرضًا لأهله، فتخرج الخيل طالبة له، فجاء في بعض أيامه وطلبته الخيل كما كانت تطلبه، فطر فرس رجل من واد الفراعنة في بعض تلك الآبار، فوقف أصحاب أبي العباس بما ناله من ذلك على ما دبر الجبائي، فحذر ذلك، وتنكبوا سلوك ذلك الطريق، وألح الزنج في مغاداة العسكر في كل يوم للحرب، وعسكر بنهر الأمير في جمع كثير؛ فلما لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن الحرب قدر شهر.