عبدالله بن هلال الحميري وهذه قصتته
قبلَ أَكْـثَـرَ منْ أَلْف سَنَة ، في المِائة الأُولى منْ تاريخ الهجرَة ، كانَ رَجُلٌ يَعْمَلُ في قَصْرِ الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ . فَرَأَى جاريةً تعملُ في قَصْرِ الحَجَّاج فتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بها .
وحَدَثَ ذاتَ مَرَّة أَنْ وَقَعَ من يَده وهو يَنظُر لها وِعاءٌ فيه عَسَل ، فسالَ العَسَلُ على الأرض . فتَجَمَّعَ الأَطْفالُ حَوْلَ العَسَلِ وصارُوا يَأْخُذُونَ منه ويأْكُلُون وهم يقُولُون أَخْزَى اللـهُ إبليسَ ، أَخْزَى اللـهُ إبليسَ ... . يأْكُلُونَ ويَسُـبُّونَ إبليسَ . وهذا الرَّجُلُ الذي يعملُ في قَصْرِ الحَجَّاجِ واقفٌ يرقُبُهم . فَحَدَّثـتهُ نفسُه بشَرٍّ .
قال لهم لا تَسُـبُّوا إبليسَ ، لا تَقُولوا أَخْزَى الله إبليسَ . قُولُوا جَزَى الله إبليسَ خَيْـرًا .
أَمَرَهُمْ بأنْ يقُولوا هذا الكَلامَ الذي فيه كُفْـرٌ .
قال لهم لولا إبليسُ ما أَكَلْـتُمُ اليومَ عَسَلاً . فاشْكُرُوهُ ، وقُولُوا جَزَاكَ اللـهُ خَيْـرًا يا إبليس .
أَمَرَهُمْ بالكُفْرِ وذَهَبَ .
وفي اليوم التالي تَشَـكَّلَ إبليسُ لهذا الرَّجُلِ الذي يَعْمَلُ في قَصْـرِ الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ وظَهَرَ له بصُورة إنسان وقال له أَنتَ لكَ عندي يَدٌ بيضَاء . لكَ عندي حَقٌّ بالمُكَافَأَة . مَتَى ما أَرَدْتَ لقائي فالعَلامَةُ بيني وبينَكَ كَذَا .
فَصَارَ هذا الرَّجُلُ كُلَّما أَرادَ قَضاء حاجَة له يَصْعُبُ عليه مَنَالُها طلبَ إبليسَ واستعانَ به على قَضَائها . فَصَارَ هذا الرَّجُلُ ، من كثرة ما تُقْضَى حاجاتُه وحاجاتُ الناسِ على يَدَيه ، مَعْرُوفًا بينَ الناس . صارَ مَعْرُوفًا بينَ الناسِ حَتَّى انْكَشَفَ أَمْرُه . وصارَ الناسُ يُسَمُّونَه صَديقَ إبليس . ثمَّ هذا الرَّجُلُ لمَّا اسْتَعْصَى عليه أَمْرُ تلكَ البنت الجارية التي تَعَلَّقَ قلـبُهُ بها قال في نفسه لأَقْصِـدَنَّ إبليسَ . فَطَلَبَهُ وَفْقَ العَلامَة التي كانَ إبليسُ قد أَعْطاه إيَّاها . فَحَضَرَ . فشَكَى الرَّجُلُ له . فصارَ إبليسُ يُحْضِرُها له في الليل ويَرُدُّها في الصَّباحِ إلى قَصْرِ الحَجَّاج .
وفي إحْدَى الليالي رَأَى الحَجَّاجُ هذه البنتَ مُكْتَـئبَةً . فقال لها ما بالُك ؟؟ .
فَقَصَّتْ له قصَّـتَها . وأَخْبَرَتْهُ بأنها تُساقُ في الليلِ إلى بيت رَجُلٍ فيزني بها ثمَّ تُعادُ في الصَّباح .
فقالَ لها الحَجَّاجُ إنْ عادَ فأَخَذَك فخُذي مَعَك هذا الصِّـبْغَ فاصْـبُغي به بابَ بيته .
ففَعَلَتْ . ثمَّ أَرْسَلَ الحَجَّاجُ جُنْدَهُ ليُفَتِّشُوا . فوَجَدُوا بيـتًا عليه هذا الصِّبْغُ الخاصُّ . فأَخَذُوا هذا الرَّجُلَ إلى الحَجَّاج . فبينما هو هُناك جاءَ الشَّيْطانُ فأَخَذَه . أَنْقَذَهُ منَ القتل . أَخَذَهُ في الهواء وغَيَّـبَهُ . ولا يُعْرَفُ له بَعْدَ ذلكَ خَبَر .

ولو تمَكَّنَ منه الحَجَّاجُ لقتلَه . إبليسُ شَكَرَ هذا الرَّجُلَ لأنه نَهَى الأَطْفالَ عَنْ سَبِّه .
قال لهم هذا العَسَلُ بسبب إبليسَ حَصَلْـتُمْ عليه .
وقال لهم قولوا جَزَى الله إبليسَ خَيْرًا .
فَكَفَرَ ، لأنه أَمَرَ غَيْرَهُ بالكُفْرِ . الذي يَقُول جَزَى الله إبليسَ خَيْـرًا يَكْفُرُ . والذي يأْمُرُ غَيْرَهُ بالكُفْرِ يَكْفُرُ أَيضًا .. بسبب هذه الكَلمة صارَ لهذا الرَّجُلِ عندَ إبليسَ مَنْـزِلةٌ كبيرةٌ وصارَ يُساعدُه .

ظُهُورُ أُمُورٍ خارقة على يَد بعضِ الأَشْخاصِ ليسَ دليلاً على أَنه من أَهْلِ الفضلِ والصَّلاح . إذا كانَ بعضُ الكُفَّار تَظْهَرُ على أيديهم أُمُورٌ خارقة . وبعضُهُم شَفَوْا ، بقدرة الله ، مَجانينَ وأَصْحابَ عاهات . وكُلُّ هذا لا يعني أَنَّ الله يحبُّهم أَوْ أَنه راضٍ عنهم . ولو كانوا ممَّنْ رَزَقَهُمُ الله مالاً كثيـرًا . مَنْ كانَ مُسْـتَقيمًا بطاعَة الله فهو التقيُّ الصَّالح .. هذا هُوَ الميـزان ..
قال رَسُولُ الله ، صلى الله عليه وسلَّم إنَّ الله ، عَزَّ وجَلَّ ، يُعْطي الدُّنيا مَنْ يُحبُّ ومَنْ لا يُحبُّ ، ولا يُعْطِي الدِّينَ إلاَّ لمنْ أَحَبَّ . فمَنْ أَعْطاه الله الدِّينَ فقد أَحَبَّه . رواه الإمامُ أحمد في (المُسْـنَد) ...