صفحة 4 من 14 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 13 إلى 16 من 56

الموضوع: إعجاز القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني


  1. #13
    مغترب ذهبي
    الحالة : عاشق الوطنية غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2010
    رقم العضوية: 464
    الدولة: سوريا
    الإهتمامات: الرياضة , الصداقة والغناء
    السيرة الذاتية: أحب سوريا و لا تسألني كيف أو لماذا
    العمل: على باب الله
    العمر: 36
    المشاركات: 11,254
    الحالة الإجتماعية: اعزب و الله يبعت بنت الحلال
    معدل تقييم المستوى : 484
    Array

    فصل في نفي السجع من القرآن

    ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره [ الشيخ ] أبو الحسن الأشعري [ رضي الله عنه ] في غير موضع من كتبه.
    وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة.
    وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما السلام، ولمكان السجع قيل في موضع { هرون وموسى }. ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: { موسى وهرون }.
    قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعرا، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم، كما يتفق وجوده من الشاعر.
    وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود إليه.
    ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع. قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد. وقال ابن دريد: "سجعت الحمامة، معناه: رددت صوتها". وأنشد:
    طربت فأبكتك الحمام السواجع * تميل بها ضحوا غصون نوائع
    النوائع: الموائل، من قولهم: جائع نائع، أي متمايل ضعفا.
    وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز.
    ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.
    وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر.
    وقد روي أن النبي قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف نَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يُطلّ؟ فقال: "أسجاعة كسجاعة الجاهلية؟" وفى بعضها: "أسجعًا كسجع الكهان". فرأى ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته.
    والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا، لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى. وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى.
    فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعا، فيجب أن تسموا أحدهما سجعا.
    قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا، وإلا كنا نأتي على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى، ولكنه خارج عن غرض كتابنا. وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين.
    ثم إن سلم لهم مسلم موضعا أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا، على ما قد بينا في القليل من الشعر، كالبيت الواحد، والمصراع، والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصودا إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، وكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه.
    ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا، لكان مذموما مرذولا، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه، كان قبيحا من الكلام. وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة. كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا، وكان شعره مرذولا، وربما أخرجه عن كونه شعرا.
    وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب الفواصل، متداني المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود.
    فإن قيل: متى خرج السجع [ من ] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعا، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا، بل يأتي به طورا ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه.
    قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت مخالفا للآخر، كان تخليطا وخبطا، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا.
    [ وقد ] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الاصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب.
    ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [ متزن ] على منهاج السجع وليس بسجع عندهم. وذلك نحو قول البحتري:
    تشكَّى الوجى، والليل ملتبس الدُّجا * غريرية الإنساب مرت بقيعها
    وقوله:
    قريب المدى، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، حتى تكون معالي
    ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم أنه سجع مداخل!
    ونظيره من القرآن قوله تعالى: { ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم }. وقوله: { أمرنا مترفيها ففسقوا فيها }. وقوله: { أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله }. وقوله: { والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل }. وقوله: { إني وهن العظم مني }.
    ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحرا، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه. وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم.
    والذي تكلمنا به في هذا الفصل كلام على جملة دون التفصيل.
    ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع.
    ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب لسيف بن ذي يزن: "أنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، ونبت زرعه، في أكرم موطن، وأطيب معدن". وما يجري هذا المجرى من الكلام.
    والقرآن مخالف لهذه الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم.
    ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني عليه لكان الشعر سجعا، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة.
    وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام فإنها تختلف. فربما كان ذلك يسمى قافية، وذلك إنما يكون في الشعر؛ وربما كان ما ينفصل عنده الكلامان مقاطع السجع، وربما سمي ذلك فواصل.
    وفواصل القرآن مما هو مختص بها، لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب.
    وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه. وهي: أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدا من الأمر الصعب الذي تظهر به الفصاحة وتتبين به البلاغة. وأعيد كثير من القصص في مواضع [ كثيرة ] مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا.


  • #14
    مغترب ذهبي
    الحالة : عاشق الوطنية غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2010
    رقم العضوية: 464
    الدولة: سوريا
    الإهتمامات: الرياضة , الصداقة والغناء
    السيرة الذاتية: أحب سوريا و لا تسألني كيف أو لماذا
    العمل: على باب الله
    العمر: 36
    المشاركات: 11,254
    الحالة الإجتماعية: اعزب و الله يبعت بنت الحلال
    معدل تقييم المستوى : 484
    Array

    ولو كان فيهم تمكُّن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها، وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [ حكى و ] جاء به. وكيف وقد قال لهم: { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين }. فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها - إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا، دون السجع الذي توهموه.
    فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم ورسائلهم [ وشعرهم ] وسجعهم وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضربا من الإبداع لبراعته وفصاحته.
    قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون [ وكلام موزون غير مقفى ]، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي.
    ومن هذه الاقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب وسلوكه لا يتعذر. ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين.
    وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه.
    ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويعرض على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف عنه الكل، مع شدة الدواعي إليه.
    ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه والمهلة لهم فسيحة، والأمد واسع.





    وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم؟ فقد قيل: إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام، ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه الاسماع وتقبله النفوس تتبعوه من بعد وتعملوه. وحكى لي بعضهم عن أبي عمر غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * ويسمون ذلك الوضع المتير واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل، أي قطعته أو جذبته. ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله.
    وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا ذكره أولا.
    وقد يحتمل - على قول من قال: إن اللغة اصطلاح - أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم.
    وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر، وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه القول من وجوه التفاصح، وتواقفوا بينهم على ذلك.
    ويمكن أن يقال: إن التواضع وقع على أصل الباب، وكذلك التوقيف، ولم يقع على فنون تصرف الخطاب، وإن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الإطراب بوزنها، وتهش النفوس إليها، وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوه من ترتيبها، واختبار طرق نم تنزيلها، وعرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة، ثم أعلمهم عجزهم عن الإتيان [ بمثل ] القرآن، [ وأن ] القدر الذي تتناهى إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم، ولم يشذ من جميع كلامهم، بل قد عرض في خطابهم، ووجدوا أن هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة. ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه، فلان يقدروا بعد التنبيه على وجهه والتحدي إليه، أولى أن يبادروا إليه، لو كان لهم إليه سبيل.
    ولو كان الأمر على ما ذكره السائل: لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم، أو لا تدخل عليهم شبهة فيما نابهم، ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى المعارضة.
    ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الأمور البعيدة عن الوهم، والأسباب التي لا يحتاج إليها، فيكثر فيها من شعر ورجز، ونجد من يعينه على نقله عنه، على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها، وكثير من أمرها لا فائدة في الاشتغال به في دين ولا دنيا.
    ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة، ويتنافرون فيه وتجري بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار، على ما لا يخفى على أهله.
    فاستدللنا بتحيرهم في أمر القرآن على خروجه من عادة كلامهم، ووقوعه موقعا يخرق العادات. وهذه سبيل المعجزات.
    فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الاسجاع، لا يخرجها عن حدها، ولا يدخلها في باب السجع.
    وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الاجزاء، فكان بعض مصاريعه كلمتين، وبعضها أربع كلمات، ولا يرون في ذلك فصاحة، بل يرونه عجزا.
    فلو رأوا أن ما تلى عليهم من القرآن سجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن.
    ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه، لأن ما تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع { 1، لأنه لو كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته، وأبعد غاياته.
    ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف. [22]
    ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها، ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه. وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة، فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمي الكلامين.
    فصل في ذكر البديع من الكلام

    إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع؟
    قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظا نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه، ليكون الكلام واردا على أمر مبين، وباب مقرر مصور.
    ذكروا: أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }. وقوله: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }. وقوله: { واشتعل الرأس شيبا وقوله: { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون }. وقوله: { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم }. وقوله: { نورٌ على نور }.
    وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة، كقوله: { ولكم في القصاص حياة }.
    وفي الألفاظ الفصيحة، كقوله: { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا }.
    وفي الألفاظ الإلهية، كقوله: { وله كل شئ }. وقوله: { وما بكم من نعمة فمن الله }. وقوله: { لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار }.





    ويذكرون من البديع قول النبي «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار إليها».
    وقوله: «ربنا تقبل توبتي، واغسل حوبتي».
    وقوله: «غلب عليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي حالقة الدين، لا حالقة الشعر».
    وقوله: «الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة».
    وقوله: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم».
    وقوله: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطا أو يُلِمُّ».
    وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلام له قد نقلناه بعد هذا على وجهه، وقوله لخالد بن الوليد رضي الله عنه: "احرص على الموت توهب لك الحياة". وقوله: "فر من الشرف يتبعك الشرف".
    وكقول علي بن أبي طالب في كتابه إلى ابن عباس، وهو عامله على البصرة: "أرغب راغبهم، واحلل عقدة الخوف عنهم". وقوله رضي الله عنه حين سئل عن قول النبي : "[ غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" -: إن النبي ] إنما قال ذلك والدين في قل، فأما وقد اتسع نطاق الإسلام، فكل امرئ وما اختار".
    وسأل علي رضي الله عنه بعض كبراء فارس عن أحد ملوكهم عندهم؟ فقال: لأردشير فضيلة السبق، غير أن أحمدهم أنوشِروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. فقال على رضي الله عنه: "هما توأمان ينتجهما علو الهمة".
    وقال: "قيمة كل امرئ ما يحسن".
    وقال: "العلم قفل، ومفتاحه المسئلة".
    وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: "أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم، وفرق كلمتكم". والخَدَمة: الحلقة المستديرة، ولذلك قيل للخلاخيل، خِدَام.
    وقال الحجاج: "دلوني على رجل سمين الأمانة".


  • #15
    مغترب ذهبي
    الحالة : عاشق الوطنية غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2010
    رقم العضوية: 464
    الدولة: سوريا
    الإهتمامات: الرياضة , الصداقة والغناء
    السيرة الذاتية: أحب سوريا و لا تسألني كيف أو لماذا
    العمل: على باب الله
    العمر: 36
    المشاركات: 11,254
    الحالة الإجتماعية: اعزب و الله يبعت بنت الحلال
    معدل تقييم المستوى : 484
    Array

    ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي على الخوارج أرادوه على الكلام، فقال: "لا خير في الرأي الفطير "، وقال: "دعوا الرأي يُغِبُّ".
    وقال أعرابي في شكر نعمة: "ذاك عنوان نعمة الله عز وجل". [23]
    ووصف أعرابي قوما فقال: "إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام". [24]
    وسئل أعرابي عن رجل فقال: "صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها". [25]
    وقال آخر: "من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة".
    وقيل لرؤبة: كيف خلفت ما وراءك؟ فقال: "التراب يابس، والمال عابس".





    ومن البديع في الشعر طرق كثيرة، قد نقلنا منها جملة، لتستدل بها على ما بعدها:
    فمن ذلك قول امرئ القيس:
    وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل [26]
    قوله: "قيد الأوابد" عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة، [27] وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيدا لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره.
    واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء، فقيل: قيد النواظر، وقيد الألحاظ، وقيد الكلام، وقيد الحديث، وقيد الرهان.
    وقال الأسود بن يعفر:
    بمقلص عتد جهيز شده * قيد الأوابد والرهان جواد [28]
    وقال أبو تمام:
    لها منظر قيد الأوابد لم يزل * يروح ويغدو في خفارته الحب
    وقال آخر:
    ألحاظه قيد عيون الورى * فليس طرف يتعداه
    وقال آخر: * قيد الحسن عليه الحدقا *
    وذكر الأصمعي وأبو عبيد وحماد وقبلهم أبو عمرو: أنه أحسن في هذه اللفظة وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة.
    وسماها بعض أهل الصنعة باسم آخر، وجعلوها من باب الإرداف، وهو أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ هو تابع له ورِدف.
    قالوا: ومثله قوله: * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل * وإنما أراد ترفُّهها بقوله: "نؤوم الضحى". [29]
    ومن هذا الباب قول الشاعر: [30]
    بعيدةُ مَهوَى القُرط إما لنوفلٍ * أبوها وإما عبدُ شمسٍ وهاشمُ
    وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه. [31]
    ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموج البحر أرخى سدوله * وذلك من الاستعارة المليحة.
    ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره من القرآن: { واشتعل الرأس شيبا }، { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }.
    ومما يعدونه من البديع التشبيه الحسن، كقول امرئ القيس:
    كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب [32]
    وقوله:
    كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي
    واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحْدَثين قول بشار:
    كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
    وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالاخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل.
    وكذلك عدوا [33] من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس:
    وسامعتان يُعرف العِتق فيهما * كسامعتي مذعورة وسط رَبرَبِ [34]
    واتبعه طرفة، فقال فيه:
    وسامعتان يعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد [35]
    ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس:
    وعينان كالماويتين ومحجر * إلى سند مثل الصفيح المنصب [36]
    وقال طرفة في وصف عيني ناقته:
    وعينان كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قَلْتِ مورِد [37]
    ومن البديع في التشبيه قول امرئ القيس:
    له أيطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [38]
    وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها.


  • #16
    مغترب ذهبي
    الحالة : عاشق الوطنية غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2010
    رقم العضوية: 464
    الدولة: سوريا
    الإهتمامات: الرياضة , الصداقة والغناء
    السيرة الذاتية: أحب سوريا و لا تسألني كيف أو لماذا
    العمل: على باب الله
    العمر: 36
    المشاركات: 11,254
    الحالة الإجتماعية: اعزب و الله يبعت بنت الحلال
    معدل تقييم المستوى : 484
    Array

    ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: { وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام }. وقوله تعالى: { كأنهن بيض مكنون }. ومواضع نذكرها بعد هذا. ومن البديع في الاستعارة قول امرئ القيس:
    وليل كموج البحر أرخى سدوله * علي بأنواع الهموم ليبتلي [39]
    فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل
    وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل.
    ومن ذلك قول النابغة:
    وصدر أراح الليل عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل جانب [40]
    فاستعاره من إراحة الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل.
    وأخذ منه ابن الدمينة فقال:
    أقضّي نهاري بالحديث وبالمُنَى * ويجمعني والهمَّ بالليل جامعُ
    ومن ذلك قول زهير:
    صحا القلب عن سلمى وأقصَرَ باطله * وعٌرِّيَ أفراسُ الصِّبا ورواحلُهُ
    ومن ذلك قول امرئ القيس:
    سَمَوتُ إليها بعد ما نام أهلها * سموَّ حَبَاب الماء حالا على حالِ
    وأخذه أبو تمام فقال: * سمو عُباب الماء جاشت غواربُه * [41] وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه.
    ومن ذلك قوله: * كأني وأصحابي على قرن أعفرا * [42] يريد أنهم غير مطمئنين.
    ومن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي قال: أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا أبو عثمان المازني قال: سمعت الأصمعي يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة:
    فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خِلتُ أن المنتأى عنك واسع
    قال الحسن بن عبد الله: وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز قال: سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السُّوَقَ، ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دَقَل صيني [43] على أن يقول كقول النابغة: "فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع" - لما قال. يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان.
    واتبعه الفرزدق فقال:
    ولو حملتني الريح ثم طلبتني * لكنتُ كشئ أدركتني مقادره
    فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة.
    ثم أخذه الأخطل فقال:
    وإن أمير المؤمنين وفعله * لكالدهر لا عارٌ بما فعل الدهر
    وقد روي نحو هذا عن النبي : "نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل".
    وأخذه علي بن جبلة فقال:
    وما لامرئ حاولتَه منك مهرب * ولو رفعته في السماء المطالع
    بلى، هاربٌ لا يَهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
    ومثله قول سلم الخاسر:
    فأنت كالدهر مبثوثا حبائله * والدهر لا ملجأ منه ولا هربُ
    ولو ملكت عِنان الريح أصرفه * في كل ناحية ما فاتك الطلب
    فأخذه البحتري فقال:
    ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن * ينجيهم عن خوف بأسك مهرب
    ومن بديع الاستعارة قول زهير:
    فلما وردنَ الماء زُرقا جِمامُه * وضعن عِصيَّ الحاضر المتخيِّمِ
    وقول الأعشى:
    وإن عِتاق العِيس سوف يزوركم * ثناء على أعجازهن معلق
    ومنه أخذ نصيب فقال:
    فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
    ومن ذلك قول تأبط شرا:
    فخالط سهلَ الأرض لم يكدح الصفا * به كدحةً والموت خزيانُ ينظر [44]
    ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله: { وإنه لذكر لك ولقومك } يريد ما يكون الذكر عنه شرفا.
    وقوله: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة }. قيل: دين الله أراد.
    وقوله: { اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم }.





    ومن البديع عندهم [ الغلو والإفراط في الصفة ]، كقول النمر بن تولب:
    أبقى الحوادثُ والأيام من نمر * أسبادَ سيف قديم أثرُه بادي
    تظل تحفر عنه إن ضربت به * بعد الذراعين والقيدين والهادي [45]
    وكقول النابغة:
    تقدُّ السلوقيَّ المضاعفَ نسجُه * ويوقدنَ بالصفاح نارَ الحُباحِبِ

  • صفحة 4 من 14 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة

    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

    المواضيع المتشابهه

    1. فرصة ذهبية ختم القرآن باسبوع ( شهر القرآن)
      بواسطة دمعة فرح في المنتدى ملتقى إستراحة المغترب Forum rest expatriate
      مشاركات: 10
      آخر مشاركة: 08-09-2010, 06:54 PM
    2. الطيب تيزيني
      بواسطة ميادة كامل في المنتدى ملتقى الثقافة و الأدب و الشعر و القصص والروايات
      مشاركات: 4
      آخر مشاركة: 04-27-2010, 08:49 PM
    3. إعجاز رباني يثبت لنا أن حتى شكل الفاكهة والخضروات ما خلق عبثاً
      بواسطة SHARIEF FATTOUH في المنتدى ملتقى الحـــوار العام للمغتربين السوريينDialogue Discussion Forum
      مشاركات: 5
      آخر مشاركة: 04-05-2010, 03:51 AM
    4. إعجاز القرآن الكريم في مدة الرضاعة ونوعيتها
      بواسطة سوسن في المنتدى ملتقى إستراحة المغترب Forum rest expatriate
      مشاركات: 2
      آخر مشاركة: 03-27-2010, 01:27 AM
    5. جوزة الطيب.. فوائدها واستعمالاتها
      بواسطة Dr.Ibrahim في المنتدى ملتقى الطلاب السوريين المغتربين في مجال الطب Medical Students
      مشاركات: 0
      آخر مشاركة: 03-05-2010, 09:37 PM

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •  
    Untitled-1